|
شهدت العاصمة الفرنسية في الأسابيع
الأخيرة عدة نشاطات وجدالات واسعة صنعت الحدث
الإعلامي، ساهمت فيه شخصيات سياسية واعلامية
واحزاب معارضة فرنسية وأخرى عربية... ففي ما يتعلق
بملف الهجرة الذي صار ملغوما منذ اعتلاء نيكولا
ساركوزي سدة قصر الإليزيه، فقد تواصلت الاحتجاجات
الواسعة في أوساط المنظمات وحقوق الإنسان الفرنسية
والأحزاب المعارضة للقانون المعروف بـقانون
"التحكم في الهجرة" الذي صادقت عليه الجمعية
الفرنسية مؤخرا، وخاصة بالنسبة للبند المتعلق بفرض
فحوصات جينية وراثية (ADN
) على كل من يرغب في لم الشمل العائلي وذلك بهدف
إثبات القرابة والتأكد من الصلة العائلية بين
المهاجر وذويه، وقد عد ذلك بمثابة إهانة وفضيحة لم
يسبق لها مثيل، وأعتبرها المهاجرون بمثابة إستهانة
بهم وبتقاليدهم وأعرافهم وخاصة بالنسبة للعرب
والمسلمين، لأن الكشف الجيني – حسب بعض الآراء
المعارضة – يعتمد في الكشف عن الجرائم والأعمال
غير الشرعية، وهذا مما أكد الربط اللامشروع بين
الهجرة والجريمة... والمعلوم أن القانون قد تقدم
به وزير الهجرة والهوية الوطنية بريس هورتفي، وهي
الوزارة التي استحدثها ساركوزي وأوكلها لأحد
المقربين منه، منفذا ما وعد به خلال حملته
الإنتخابية، بالرغم من دعوة ما لا يقل عن 200
مثقفا فرنسا ودوليا، وجهوها للرئيس ساركوزي من أجل
الغائها لما لها من خطر على المجتمع الفرنسي، وذلك
في عريضة وقعوها في: 22/06/2007 اعتبروا فيها
الوزارة المعنية تدخل في إطار الأحكام المسبقة ضد
المهاجرين... فإضافة إلى "الكشف الجيني" الذي يثير
الجدل ويسيل الحبر الكثير، فقد إشترط القانون
الجديد على المهاجر الذي يطمح للقدوم لفرنسا
التمكن من اللغة الفرنسية، إلى جانب توقيعه لعقد
يلزمه بإحترام تقاليد الدولة والجمهورية، فضلا عن
القدرة المالية لمن يريد استقدام عائلته، وقد بلغت
الإحتجاجات ذروتها بتجمعات منددة للمعارضة
الفرنسية، آخرها مظاهرة ضخمة يوم 14/10/2007 بقاعة
زينيت بباريس، شارك فيه الآلاف من مختلف الشرائح
التي تشكل المجتمع الفرنسي، قدرتها بعض المصادر
الإعلامية بـ 6000 مشارك، وكذلك المنظمات الحقوقية
والإنسانية... الخ، حملت خلالها شعارات رافضة
لمشروع ساركوزي لتنظيم الهجرة وتعددت الأوصاف
والنعوت لما سموه إهانة لا تغتفر في حق الفرنسيين
المتحدرين من أصول مهاجرة خاصة، ومن ابرز
المشاركين نجد الأمين العام للحزب الإشتراكي
فرانسوا هولاند، والمرشح السابق للرئاسيات فرانسوا
بايرو، والوزير السابق للبحث فرانسوا قولارد ...
على صعيد آخر يعتزم الرئيس الفرنسي
ساركوزي الذي يعده الكثير من المراقبين أبرز أنصار
ما يسمى بـ "تمجيد الإستعمار الفرنسي في الجزائر"،
على إقامة نصب تذكاري للفرنسيين المفقودين
والمتوفين غير المدفونين في الجزائر بين عامي 1954
و 1962 وهي سنين حرب التحرير الجزائرية، هذا إلى
جانب إنشاء مركز لمل يسمى بـ "الحضور الفرنسي
بالجزائر"، وهو منعطف آخر نحو التشديد في مواقف
الرئيس الفرنسي الرافض للإعتذار والذي يصر عليه
الجانب الجزائري للمضي قدما في ما يسمى "معاهدة
الصداقة" التي بدأت تعود بخطوات للخلف، على عكس
الرئيس الأسبق جاك شيراك الذي قرر مراجعة هذا
القانون وخاصة في ما يتعلق بالفقرة الثانية من
المادة الرابعة التي تلزم تدريس (الدور الإيجابي
للإستعمار الفرنسي لشمال إفريقيا)... وعلمنا من
مصادر مختلفة أن أنصار هذا التوجه سيعقدون في
25/11/2007 قمة للمتعاطفين مع الذاكرة الإستعمارية
لأجل إعطاء تفعيل أكثر لقانون 23/02/2005 والذي
يعدونه من بين القوانين التاريخية التي تحتاج إلى
التمجيد، وكما هو ملاحظ مدى الدقة في إختيار زمنها
وهو الذي يرافق ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية، وقد
جعل ساركوزي كل الضحايا الفرنسيين في حرب الجزائر
بمثابة "قتلى من أجل فرنسا" وذلك في رسالة مؤرخة
في 16/04/2007 وجهها للجنة الإتصال بين جمعيات
العائدين من الجزائر بعد 1962 وهو تاريخ
استقلالها، بل شدد على عدم الإعتراف بالذنب أو حتى
مجرد الشعور به...
على صعيد آخر لا يزال يصنع الحدث الإضراب عن
الطعام الذي تشنه مية الجريبي الأمينة العامة
للحزب الديمقراطي التقدمي، وزميلها أحمد نجيب
الشابي أحد زعماء الحزب ومدير جريدة "الموقف"
الأسبوعية المعارضة، ففي بيان تحت عنوان "عيد باية
حال عدت يا عيد؟" تحصلنا على نسخة منه، وقعته عدة
هيئات حقوقية وأحزاب تونسية معارضة وحتى فرنسية،
التي صارت تشكل ما يسمى بلجنة المساندة، نذكر من
بينها: اللجنة العربية لحقوق الإنسان، اللجنة من
أجل إحترام الحريات وحقوق الإنسان، جمعية الدفاع
عن حقوق الإنسان في المغرب، الفدرالية الدولية
لحقوق الإنسان، الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان،
حزب العمال الشيوعي التونسي، حزب الخضر الفرنسي،
الحزب الشيوعي الفرنسي... الخ، وقد دحض البيان ما
سماها "إدعاءات السلطة" والتي وصفها بأنها "دعاية
كاذبة ومغالطات"، حيث إعتبر القضية مجرد خلاف شخصي
بين مالك المحل الذي كان مقرا للحزب وبين قياداته،
ومن بين الأدلة التي ساقها البيان في دحض ما ذهبت
إليه الجهات الرسمية التونسية عبر وسائلها
الإعلامية المختلفة، وهي أن الحزب الديمقراطي
التقدمي حزب قانوني عمره أكثر من 20 عاما، وجريدته
محرومة من الإشهار والدعم العمومي الذي تستفيد منه
باقي الصحف التونسية، أما بالنسبة لمقر الحزب الذي
أستهدف بالغلق فهو يحتله منذ أكثر من 13 عاما...
وأعتبر هذا الإضراب من أجل الحرية وإحتجاجا على
السلطة التي وصفها بالإستبدادية، وفي السياق نفسه
فقد كثفت القوى السياسية والديمقراطية التونسية
بباريس من تحركاتها الميدانية والدبلوماسية وسجلت
اتصالات متعددة بمختلف الأحزاب والجمعيات
والمنظمات والشخصيات التي تربطها بالشعب التونسي
علاقات صداقة، وهذا لتحسيس الرأي العام الداخلي
والخارجي بما عليه حال المضربين عن الطعام لأجل
حقوق مشروعة، وكذلك تنديدا بالإنتهاكات المتواصلة
ضد القوى المدنية والسياسية التونسية التي يمارسها
النظام التونسي، ومن بين التحركات الميدانية نذكر
التظاهرة التي أقيمت في 29/09/2007 بمنطقة (كورون)
بباريس والتي تعد من أهم معاقل الجالية التونسية
والعربية عموما، وقد حضر هذا التجمع العديد من
الأحزاب التونسية والفرنسية وعبروا عن تضامنهم
ومساندتهم للنضال التونسي ضد ما وصفوها
بالدكتاتورية، تجمع آخر يعد ثاني أكبر التظاهرات
للجنة المساندة وذلك في 06/10/2007 في (بال فال)،
حيث أقيم حفل تخللته الموسيقى وعدة مداخلات لممثلي
الحزب الشيوعي الفرنسي وكذلك حزب الخضر الفرنسي،
والنهج الديمقراطي المغربي، الرابطة الفرنسية
للدفاع عن حقوق الإنسان... الخ، وكذلك بعض
الشخصيات المعروفة نذكر منها الحقوقي الدكتور هيثم
مناع عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان، خميس قسيلة
وهو الكاتب العام للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق
الإنسان... تجمع آخر لا يقل أهمية عن تلك التي
سبقت فقد أقيم في (مونبرناس) يوم 11/10/2007 قبالة
محطة القطارات بالعاصمة الفرنسية، وكان من أبرز
الحاضرين نجد اللجنة العربية لحقوق الإنسان وجمعية
العمال المغاربيين، واتحاد العمال المهاجرين
التونسيين، وسجلت تدخلات لشخصيات تونسية نذكر كمال
الجندوبي وفاطمة بوعيد قسيلة وراضية النصراوي، وتم
توزيع آلاف البيانات المناصرة للمضربين ورفعت
صورهما خلال التظاهرة...
أما بالنسبة للصعيد الدبلوماسي فقد
كثفت لجنة المساندة من اتصالاتها بالأحزاب
المعارضة التونسية والجمعيات والمنظمات الحقوقية
والبرلمانيين الفرنسيين والأوروبيين، وأعلنت على
غرار ذلك أحزاب فرنسية مساندتها للمناضلين
المضربين عن الطعام منذ أسابيع في بيانات رسمية،
وقد تشكل وفد من هذه الأحزاب وبعض المنظمات
المعروفة والشخصيات السياسية، وتوجهوا نحو
الخارجية الفرنسية في 02/10/2007، حيث تم
استقبالهم بصفة رسمية وتم خلال اللقاء مطالبة
الحكومة بتحمل مسئوليتها تجاه دعمها للنظام
التونسي، أما إعلاميا فقد غطت أنشطة اللجنة مختلف
وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية في فرنسا
وخارجها...
الجدير بالذكر أن النظام التونسي بدوره حاول
التشويش على لجنة المساندة، وذلك بنشاطات موازية
كما حدث في تجمع (مونبرناس)، غير أن ممثليه لم
يتمكنوا من تجميع عدد لا يتجاوز 6 أفراد وزعوا
بيانا نشر من قبل في صحيفة (الصباح) التونسية يقدح
في الإضراب، على عكس لجنة المساندة التي تمكنت من
توزيع 18 ألف منشور...
(المصريون): : بتاريخ 16 - 10 - 2007 |