|
قبل
أن تبدأ السنة الجديدة، بدأ السفير المصري في
لبنان حسين ضرار جولة على القيادات السياسية، جاءت
بعد عودته من القاهرة مباشرة، حيث أمضى هناك
أياماً عدة، تزامنت مع وصول مبادرة الامين العام
للجامعة العربية عمرو موسى الى حائط مسدود.
من الواضح أن الملف اللبناني يحظى بعناية خاصة في
مصر. هو من الملفات التي تتابعها القيادة المصرية
بمستوياتها المختلفة. في الرئاسة كما في وزارة
الخارجية مع تفويض واضح للسفير ضرار بلعب دور يشبه
الى حد كبير صلاحيات السفير فوق العادة أو السفير
برتبة وزير.
انطلاقا من ذلك، اتخذت القيادة المصرية قراراً
بتمديد مهمة السفير ضرار في بيروت لسنة جديدة قد
تكون قابلة للتمديد، في إشارة واضحة الى أهمية
الملف اللبناني من جهة وأهمية الدور الذي يلعبه
السفير ضرار شخصياً يحيط به فريق عمل، يبدو القاسم
المشترك فيه، طغيان عنصر الشباب الذي يميز شخصية
الدبلوماسية المصرية في الخارج، من دون إغفال
استمرار بعض القنوات التقليدية «الموازية»، خاصة
أن الملف اللبناني يحظى باهتمام خاص من قبل جهاز
الاستخبارات المصرية ووزيره البارز عمر سليمان.
واذا كان مشهد اللقاء بين السفير المصري في بيروت
وأية قيادة سياسية وروحية لبنانية، صار مألوفاً
واعتيادياً، فإن الجديد في اللقاءات هو اجتماع
السفير ضرار بالامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن
نصر الله، لمدة ساعتين تقريبا، وذلك في أول اتصال
رسمي من هذا المستوى بين الجانبين على امتداد
تاريخ «حزب الله» منذ منتصف الثمانينيات حتى الآن.
ومن قبيل التوضيح ليس إلا، فإن العلاقة بين
الجانبين قائمة منذ سنوات تقريبا، وثمة قنوات
اتصال يقوم بها القائم بالاعمال في السفارة
المصرية مع «حزب الله» بصورة دورية، وهو الامر
الذي ألمح اليه السيد حسن نصر الله في مقابلته
الشاملة مع «السفير» في شهر ايلول الماضي، ضمن
قناعة راسخة لدى الحزب برفض مبدأ القطيعة مع أي من
الدول العربية والاسلامية، «فكيف بمصر التي كان
لها موقعها التاريخي والريادي على الصعيدين القومي
والاسلامي والتي نأمل منها أن تستعيده وأن تستمر
بلعبه» على حد تعبير نصر الله خلال اجتماعه بضرار.
وحسب المعلومات التي توافرت لـ«السفير»، فإن ضرار
وفور عودته من القاهرة طلب موعدا عاجلا من نصر
الله، وجاءه الرد سريعا، حيث تم تحديد الموعد يوم
السبت الفائت وشارك في اللقاء مسؤول العلاقات
الدولية في «حزب الله» نواف الموسوي والمستشار
المصري ياسر علوي.
والى الاجراءات الامنية الاعتيادية التي تتخلل كل
لقاءات نصر الله مع زائريه في الضاحية الجنوبية،
بمن فيهم الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى
الذي شكلت ايضا زيارته، علامة فارقة في علاقة
الحزب بمؤسسة الجامعة العربية للمرة الاولى، فإن
اللقاء بين نصر الله وضرار تميز بالاجواء الودية
والصريحة وكذلك الحرارة التي ميّزته منذ لحظاته
الاولى.
وقد استهل «السيد» اللقاء مرحباً بضرار بوصفه أول
سفير مصري يلتقيه ويطلب الزيارة، ورد ضرار العائد
من القاهرة بأنه يزوره بناء على تعليمات القيادة
المصرية رئيساً وحكومة، ناقلا اليه تحيات الرئيس
حسني مبارك ورئيس الحكومة ووزير الخارجية أحمد ابو
الغيط ومدير الاستخبارات الوزير عمر سليمان، موضحا
أن جولته ستشمل مختلف القيادات اللبنانية حيث
سينقل رسالة من القيادة المصرية تتضمن تاكيداً على
المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القادة
السياسيين، في هذه اللحظة الخطيرة من عمر المنطقة
ولبنان.
وقال ضرار مخاطباً نصر الله «صحيح أننا تأخرنا في
زيارتكم ولكننا نتابعكم دائما وأنتم تعرفون ظروف
مصر، وهذه الزيارة هي تعبير واضح عن حرص مصر على
إقامة علاقة دائمة مع قيادة «حزب الله» التي تحظى
باحترام كبير في العالمين العربي والاسلامي».
ورد نصر الله مشدداً على حرص الحزب الدائم بأنه لا
يريد قطيعة مع أحد، «بل نحن مهتمون بزيادة عدد
الاصدقاء في لبنان والمنطقة والعالم، وان الحزب
منفتح باتجاه كل الدول العربية والاسلامية ومستعد
لترميم بعض العلاقات لما فيه المصلحة العربية
والاسلامية والمصلحة الوطنية لكل بلد».
وتخلل اللقاء تقديم الجانبين وجهة نظرهما حيال ما
جرى من تطورات في المنطقة ولبنان، وبرز تحذير مصري
متكرر من وجوب التنبه الى خطر مستجد يعصف
بالمسلمين في المنطقة وهو خطر الفتنة السنية
الشيعية، مع دعوة واضحة للحزب بلعب دور أساسي في
مواجهة مخاطر كهذه «وهناك مسؤولية مشتركة في صياغة
مواقف وأعمال محددة وجدية لمنع أي ضرر قد يلحق
بالوحدة الاسلامية في الامة وبالوحدة الوطنية في
لبنان».
ورد نصر الله مؤكداً حرص الحزب على الوحدة
الاسلامية، محذراً من دور أميركي باتجاه تسعير
مناخات الفتنة في كل الساحات، وجدد القول ان
الفتنة السنية الشيعية «خط أحمر بالنسبة الى «حزب
الله» وان قضية الوحدة هي في صلب مبادئ الحزب ولا
يمكن التفريط فيها بأي شكل من الاشكال».
وأكد ضرار لنصر الله ان زيارته غير متصلة بمهمة
عمرو موسى في بيروت، ناقلا اليه أجواء موسى الذي
كان قد التقاه مطولا في القاهرة وانه ليس في وارد
العودة الى بيروت ما لم يتبلور جديد لدى الاطراف
اللبنانية المعنية، وقال له «لقد طلب الامين العام
مني أن أنقل إليك تحياته الشخصية، وهو يحثكم مجددا
على لعب دور تاريخي من أجل تجاوز الازمة».
وتتلخص وجهة النظر أو بالاحرى الرسالة المصرية
التي قدمها ضرار الى نصر الله بالآتي: هناك مناخات
جديدة في المنطقة. بعض الانفراجات الاقليمية التي
يراهن عليها اللبنانيون من أجل ان تنعكس ايجابا
على ساحتهم يبدو انها مؤجلة حاليا، وبالتالي لا
تأملوا بشيء يأتي من الخارج ولا بديل عن الحوار
بين اللبنانيين من أجل معالجة قضاياهم. قد يكون
هناك دور أو رعاية لدول أو للامانة العامة للجامعة
العربية لكنها ستكون مكملة بشكل أساسي للبلورة
اللبنانية اللبنانية للتسوية الداخلية، وهي التي
كان يختزلها عمرو موسى بالطبقة اللبنانية للحل
التي يقوم الحل كله عليها.
واذ استغرب ضرار حالة القطيعة القائمة بين
القيادات السياسية وواقع فقدان الثقة بينهم، وكيف
ان الامين العام للجامعة العربية تحول الى ساعي
بريد بين مقرات رسمية تبعد عن بعضها مئات الامتار،
دعا الى ابتداع صيغ لإبقاء قنوات التواصل قائمة
وليس بالضرورة على مستوى قيادات الصف الاول،
مقترحا أفكارا عدة في هذا السياق، ناصحا بوقف
السجالات الاتهامية، وقدم ملاحظاته على أداء «حزب
الله» وقيادته بعد «حرب تموز»، وقال مخاطبا نصر
الله «نحن نحرص على صورتك الراسخة في الشارع
المصري والعربي والاسلامي بطلا مقاوما وليس جزءاً
من المماحكات الداخلية. ويقضي واجب الصراحة أن
أقول لك إن صورتك قد بدأت تهتز، نتيجة ما يجري في
لبنان ويحاول تشويه صورتك كمجاهد بالتفاصيل
اللبنانية المنهكة، والتي تسيء الى صورة المقاومة
التي محضها العرب تأييدهم وحبهم».
وفي المقابل، قدم نصر الله عرضا سياسيا شاملا،
استمر أقل من ساعة، وعرض فيه لكل ما شهده لبنان،
منذ لحظة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في
الرابع عشر من شباط 2005 وحتى يومنا هذا، مرورا
بساحتي 8 و14 آذار و«الحلف الرباعي» والانتخابات
النيابية وتشكيل الحكومة الحالية والاعتكاف ومن ثم
الحوار الوطني و«حرب تموز»، مرددا «كيف خذلنا
البعض في أكثر من محطة».
وقال نصر الله لضرار «اننا نملك شجاعة القول ان
الخطأ حصل من الكل وليس من طرف واحد. نعم لقد
أخطأوا، وأخطأنا نحن أيضا.. وحصلت أفعال وردات فعل
والمهم اننا في كل المحطات أيدنا المبادرات
العربية واللبنانية، من اتفاق الرياض حتى الآن
ودائما كانت العرقلة تأتي من غيرنا».
وأضاف نصر الله «نحن نتعامل بتواضع مع المبادرات
لأننا ندرك حجم المخاطر التي تهدد لبنان والمنطقة
وخاصة خطر الفتنة».
ورد ضرار مشددا على ان مناخ إعادة الثقة وضرورة
التسوية انما يتطلب تقديم تنازلات متبادلة وإيجاد
صيغ للحوار لان كل القضايا قابلة للحل ولا شيء
مستحيل في السياسة، ناصحا بخلق مناخ تهدئة.
وحسب المعلومات المتوافرة، فإن اتفاقا قد تم على
استكمال الحوار في أقرب وقت ممكن، بعد أن عاد ضرار
فشدد على وجوب ترك قنوات الاتصال مفتوحة بصورة
دورية بين الجانبين، آملا بتطوير العلاقة وترسيخها
وتثبيتها مع الحزب ومع كل الاطياف اللبنانية. وفهم
ان السلطات المصرية بوارد فتح صفحة جديدة في
العلاقة مع الحزب لخصها أحد المتابعين بالقول «نعم
هناك انفتاح مصري على الحزب وشروع في إعادة جسر
العلاقة الثنائية»...
عون وجعجع
يذكر ان ضرار، التقى، امس، على التوالي، كلاً من
رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون
ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع وهنأهما
بحلول السنة الجديدة، ونقل اليهما ايضا رسالة من
القيادة المصرية تشدد على أهمية المسؤولية الملقاة
على عاتق القادة السياسيين وتنبه فيها الى خطورة
الموقف الموجود على المستوى الدولي والاقليمي
والمحلي، مع التشديد على مبدأ الامن العربي
المتكامل، وان الجميع يجب ان يدرك ذلك.
وأمل السفير المصري من الرابية ألا يخطئ أحد في
الحسابات السياسية، داعيًا الى التحسب من أي خطأ
قد يخلّ في الوضع العام فيحدث ما لا تحمد عقباه
خصوصًا في ظل الوضع الدولي المتوتر والاقليمي
المعقد.
وأشار ضرار الى أنّ مساعي الأمين العام لجامعة
الدول العربية عمرو موسى تنتظر الجوّ المناسب،
فموسى وكما نقل عنه ضرار، مستعد لاستئناف مساعيه
شرط أن يكون هناك مرونة وتقدم في الموقف، وتساءل
«ماذا سيأتي موسى ليفعل إذا لم يبد أي طرف
استعداده للتعاون، هل يكتفي بالتنقل بين المقرّات
الرسمية»؟
وقال ضرار انّه لمس سياسات حكيمة في اللقاء الذي
جمعه بالسيد نصر الله.
ومن بزمار، مقر إقامة جعجع الجديد، دعا ضرار جميع
الاطراف الى «عدم التصعيد ولا سيما المعارضة»،
وتمنى على الجميع أن «يجدوا المخارج السلمية لما
يحقق استقرار هذا البلد، خصوصا أن المعادلة
معروفة: لا غالب ولا مغلوب».
وأمل أن يسود الهدوء والاستقرار لبنان «لأن
استقرار المنطقة متكامل، هذه هي طبيعة الرسالة،
وأتمنى على الجميع أن يجدوا المخارج السليمة لما
يحقق استقرار هذا البلد، خصوصا أأن المعادلة
معروفة: لا غالب ولا مغلوب، ولبنان يمشي في
التوجهات السليمة المفضلة من شعبه».
وردا على سؤال، قال ضرار انه لم يتحدث عن عودة
موسى، وقد التقيته في القاهرة وهو مستعد للعودة «اذا
ما وجد أن الموقف فيه مرونة، ويسمح له بالتقاط
الخيط ومعاودة المسيرة».
وردا على سؤال عما يقال ان هناك حلفا مصريا ـ
سعوديا في وجه حلف ايراني، أجاب ضرار «هذا ليس
حقيقيا، ليس هناك تحالف مصري ـ سعودي، بل هناك
مسؤولية لمصر، كونها أكبر دولة عربية، عن استقرار
المنطقة، وهي مصلحة الشعب اللبناني، فالساحة هنا،
ومن يدفع هو الشعب هنا، والدولة هنا، ليس هناك
تحالف لحساب.. وإلا كان الموقف قد اختلف منذ زمن».
«نحن على مسافة واحدة من الجميع، ولا محاور هنا أو
هناك، وان مبادرة الامين العام لجامعة الدول
العربية التي جرت بالتنسيق مع مصر والسعودية،
أيدتها ايضا سوريا وايران، والدول الغربية
والمجتمع الدولي، لقد حظيت بتأييد الجميع من قوى
دولية وقوى محلية، ولكن هناك تفاصيل وعلى الكل ان
يقدم المرونة اللازمة وان يقدم المصلحة اللازمة».
ونفى، مجددا، علمه بعودة موسى، وقال «هو لم يعلن
عن ذلك، وعندما يجد الوقت مؤاتيا سيعود»، مؤكدا،
ان «المبادرة القائمة مبادرة عربية وتحظى بالدعم
العربي والدولي المستمرين».
صحيفة
السفير اللبنانية. بتاريخ 03/01/2007 |