خرافات طوائفية لبنانية

جهاد الزين

     

 ... طالما أنها فترة هدنة يفرضها "الخارج" في لبنان على "رؤوس البطاطا الحامية" (كما كانت بنازير بوتو تسمّي بالانكليزية أخصامها السياسيين)... قد يكون متاحا بعض التأملات في بعض المصطلحات السياسية الدائرة.
اللبنانيون هم ربما من أكثر مجتمعات الكرة الأرضية تحقيراً لسلطة دولتهم وفي آن معا من أكثرها شغفا بالحصول على مناصب هذه الدولة. ومثلما هم كذلك فإن نخبهم السياسية في سلسلة ثنائياتها المتناقضة ربما هي من أكثر نخب دول الأرض تشاتماً حول "العمالة للخارج". ومن أكثرها في الوقت نفسه ارتباطاً فعلياً بالخارج.
لهذا تسود من مرحلة إلى أخرى بين الطائفيات اللبنانية صور عن لبنانية هذه الطائفة ولا لبنانية غيرها. كما يحصل منذ انفجر الصراع الكبير الأخير اعتبارا من خريف 2004.
لقد أهرق حبر كثير في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم عن "الشيعة" باعتبارهم خزاناً احتياطياً للكيان اللبناني من وجهة نظر الثقافة السياسية التي كانت تحملها نخبة من المثقفين والسياسيين المسيحيين. بنيت على هذه "النظرة" إلى "الشيعة" مشاريع وبرامج في السياسة المحلية اللبنانية. كان المقصود بـ"لبنانية" الشيعة "لا لبنانية" البيئة السنية العروبية النزعة! ومرت تلك الفكرة بمراحل "ازدهار" بين أوساط ثقافية عندما حصل الصدام الفلسطيني مع حركة "أمل" (وأدى عملياً إلى سيطرتها على الشارع الريفي والمديني لمناطق انتشار الشيعة) أو قبل ذلك في أواخر الستينات عندما بدأت ظاهرة الإمام موسى الصدر تخط طريقها إلى واجهة الحياة السياسية اللبنانية.
ماذا بقي من تلك "الفكرة" قياسا بالوضع الراهن؟ (علامة تعجّب)!
اليوم الفكرة الأكثر انتشارا التي أفرزتها تطورات الصراع الكبير المنفجر منذ خريف 2004، هي فكرة "تلبنن" الطائفة السنية وقيادتها لـ"الوطنية اللبنانية" إلى جانب الطائفة الدرزية القابلة بجهوزية تامة للعودة إلى تصنيفها ككتلة لبنانية أصلية، بل حتى ككتلة تمثل لبنانية ما قبل الفكرة اللبنانية!
حملت طبعا تطورات العامين ونيف المنصرمة نهاية لـ"الخرافة" المتعلقة بـ"لبنانية" الشيعة فجعت الكثيرين من ذوي النوايا الحسنة في الطوائف الأخرى، والسؤال الآن هل تشكل الفكرة التعبوية حول "لبننة" السنة اللبنانيين أساسا لـ"خرافة" جديدة ستصدم ذوي النوايا الحسنة في الطوائف الأخرى لاحقا عندما تتغير الظروف في المنطقة وتحصل التبدلات التي أدت إلى ما بدا انه "لبننة" لبيئة طائفة تشهد في امتداداتها المماثلة في المنطقة من عكار إلى قندهار بل إلى "بالي" حالة من إنتاج إيديولوجية أصولية شديدة الراديكالية مثلما كانت حال البيئة الشيعية (ولا تزال نسبيا) بعد انفجار الثورة الخمينية مرورا بالثمانينات والتسعينات.
في كل مرحلة هناك حالة "نافرة" من الارتباط بالخارج، لكن الارتباطات بالخارج سمة بنيوية للتكوين السياسي اللبناني. الحالة الطائفية الشيعية "نافرة" من حيث أنها في الوضع الراهن وعبر التركيبة السياسية التي تسيطر عليها في النظام الطائفي اللبناني والممثلة بـ"حزب الله" و"حركة أمل"، هي الوحيدة ذات المشروع "العسكري" الخارجي، أي المرتبط بالصراع "العسكري" الإقليمي، "ردعاً" أو انفجارا كما حصل في تموز، فيما الطائفيات الأخرى - المرتبطة بنيويا بالخارج كـ"تيار المستقبل" أو المنتقلة إراديا من "خارج" إلى "خارج" كالحزب التقدمي الاشتراكي، لا تحمل مشروعاً عسكرياً إقليميا كالذي يحمله "حزب الله"... وتاليا فإنها استمدت أفضليتها من مكمن وحيد هو أنها بارتباطها الخارجي القائم لا تحمّل الوضع اللبناني اكلافا كالتي يحمّلها الارتباط "العسكري" (أما إذا انتقلنا إلى الحرب الأهلية فالتوصيف يصبح مختلفا).
لكن هذه "الأفضلية" شيء و"خرافة" "اللبننة" هنا أو هناك أو هنالك شيء آخر.
تحضر في هذا السياق ثلاث ملاحظات:
الأولى، أن "الوطنية اللبنانية" بصيغتها المستجدة منذ العام 2004 هي نتيجة إرادة دولية مثّلها القرار 1559. إنها لحظة مدهشة "ثقافويا" في زمن العولمة: لحظة ما بعد حداثية تعيد اصطفافا شعبيا حول فكرة وطنية.
لم يكتمل هذا الحدث. لكنه صنع تيارا واسعا جدا. فلن يكون في القرن الحادي والعشرين ضير من أن تولد "الفكرة الوطنية" في مجلس الأمن كمعبّر عن اتجاه النظام العالمي.
الملاحظة الثانية، الأكثر إرباكا هي المتغيرات المعلنة، والأهم غير المعلنة التي حصلت في بيئة "الطائفة السيادية" اللبنانية أي البيئة المسيحية وتحديدا المارونية. فهذه البيئة، التي جاءت منها أساسا "النخبة المؤسّسة" محليا (مع فرنسا دوليا) للكيان اللبناني، لم يعد ممكنا الكلام عن "لبنانيتها" بتبسيط منذ العام 1975. أي منذ أعلنت القوى المسيطرة سياسياً (وشعبيا) عليها يومها اعتراضها على ما آل إليه "الكيان" الذي أسسته، طارحة، إعادة نظر بالصيغة الداخلية الجغرافية - السياسية. عدم الرضا العميق على مآل الكيانية اللبنانية لا يزال - برأيي - عنصرا جوهريا غير معلن في "البسيكولوجيا السياسية" للبيئة المسيحية. إذن هذه "خرافة" أخرى تتمظهر بطريقة مختلفة عن "الخرافتين" السنية والشيعية كما "الخرافة" الدرزية في الانتماءات الكيانية.
الملاحظة الثالثة، أن ما نسميه "الطائفة" في مرحلة، إي صورتها لدى الطوائف كما لدى الخارج، هو في الواقع صورة "المدرسة" السياسية الإيديولوجية التي تدير هذه الطائفة في مرحلة معينة. وستتغير صورة "الطائفة" بتغير "المدرسة" التي تديرها إذن حاذروا التعميم "التحليلي". فبهذا المعنى ليس هناك "شيعة" و"سنة" ودروز" و"موارنة" بل مدارس سياسية تسيطر كل منها على الطائفة التي تأخذ صورة المدرسة المسيطرة!

• • •

سيكون من علامات النضوج اللبناني أن يقوم احد الأسس "الثقافية" للشخصية الوطنية اللبنانية على لا وطنيتها! إذا جاز التعبير.
علينا البحث عن "ضوابط" تعاقدية مختلفة عن الفكرة الكلاسيكية للانتماء الوطني وننقلها بلا تخابث أو ابتذال إلى خطابنا السياسي. لقد تبلورت في الفكر السياسي الأوروبي مقولة "الوطنية الدستورية" (هابرماس) وسبق لهذه الزاوية في سنوات ما قبل "1559" إن تطرقت إليها. فهذه المقولة لا تنظم اليوم صلة الفرد بالدولة في الدول الأوروبية العريقة القائمة على "الدولة - الأمة" بل أنها تمثل تجاوزاً عميقاً لفكرة "الأمة" داخل حدود الدولة كما أنها تمثل الناظم الأساسي للانتماء الأوروبي أو "الوطنية الأوروبية" المستمرة في التبلور.
فلنحذر المزيد من "الخرافات" التي تُظهر الطائفيات المختلفة وكأن كلا منها تندفع في لحظة ما على خشبة "مسرح تجريبي" للعب دور "لبناني" في هذه المسرحية ودور "غير لبناني" في مسرحية أخرى.

 قضايا النهار 9/3/2007

عودة

 

الصفحة الرئيسية

خاص بقضية تيسير علوني

رواق الدكتور هيثم مناع

انتهاكات حقوق الإنسان

انتهاكات حقوق الصحفيين

انتهاكات حرية التعبير

انتهاكات حقوق العمل الخيري

الحقوق المدنية في سورية

قضــايا الخــليج العـــربي

قضــايا لـبنانـــية

قضــايا فلسطينية

قضــايا عــراقــيـة

مقالات وأخبار عامة

تقــاريــر ودراسـات

بيــانات عامــــة

حملات تـــضامــن

أقلام حرة - أدبيات

مكـــتبة فنيـــة

مواقع ذات صلة

 

 

 

 

 

 

alonysolidarity@wanadoo.fr