|
ليس الالف والتعود والاخلاد الي
العش من طباع الطيور اللندنية وحدها
فما من ذات كبد الا وتحن الي
بيوتها حتي لو كانت عورة وما من سبع ولا غزال الا
وتملي عليه كلمات الله محبة
السكون والهجوع بعد خوض معارك الحياة المتناسخة،
غير أن ثمة مهاجع ذكر
الواحد منها كفيل باثارة حرب وما أيسر حروب
الانسان في زمننا المشاكس
والهارب نحو الهدف المحتوم، هذا الزمن المتمرد
والمشعوذ الذي يجعلني أتردد في زيارة
باريس الجميلة رغم ساركوزي الخائف
من نفسه بعد أن اقتصر تحسين المقدرة الشرائية
للمواطن
الفرنسي علي زيادة راتب رئيس الجمهورية بنسبة 140
بالمائة فقط...!
ترددت لأن لندنيا
مثلي مدمن علي الابتسام كتعبير وحيد وشرعي علي
المعارضة حتي
لو كانت معارضة الرئيس بوش دون
الولايات في سن فرائض حروب علي المعمورة اسمها
عراق أو أفغان أو باكستان
والقائمة أخفتها بلاكووتر في أزقة بغداد حتي لا
يطلع عليها الجمهور
الأمريكي الذي نحبه لوجه الله رغم كرهنا لسنن بوش
القروسطية وعلي رأسها
غوانتانامو.
وفي محطة واترلو
وقفت أصلح من هيئتي لرفع أي لبس ليس في أذهان حراس
الحدود ولكن في ذاكرة بل في تلك
العين الآلة حتي لا يخدعها لون قشرتي الذي يتقاطع
بحكم المولد لا غير مع ألوان
نزلاء غوانتانامو، الذين حملوني حملا علي تلبية
دعوة اللجنة العربية لحقوق
الانسان، الا أن السيد هيثم مناع قد أضر بمصالحنا
القومية كأرقام بشرية بحشره ايانا
أمام سفارة بوش حتي لا يخيل لأواكس أننا من
المناهضين لأمريكا رغم أننا
مناهضون فعلا لكل ما يمس بكرامة الانسان حتي ولو
كان هذا الانسان اسمه بوش.
وبين غوانتانامو
التي شاركت في ادانة دهاليزها في مقر
البرلمان الفرنسي ومعارك بوش
الطاحنة في كل اتجاه، التي أحالت دولا بأكملها الي
سجلات التاريخ، يقف المرء مشدوها
عندما يتابع تفاصيل مآلات ما سمي بالحرب العالمية
علي الارهاب.
واذا كان بوسعي
كبريطاني ملون بالاسلام الأوروبي أن أتفهم الوزير
الذي مثلني رسميا عند حديثه عن
القيم المشتركة بين المملكتين البريطانية
والسعودية أثناء زيارة
الملك عبد الله أخيرا الي بريطانيا فان الالتباس
يظل عالقا في النفوس عند
تنزيل هذه القيم علي أرض الواقع لنري خلافا بينا
بين تعامل أجهزة الدولة
وقضائها ومؤسساتها في معالجة ملفات الارهاب، اذ
قتلت الشرطة البريطانية مواطنا
برازيليا علي وجه الخطأ لا تزال
الحكومة البريطانية برمتها تدفع ثمن هذا الخطأ في
حين أن أرقام القتلي في صفوف رجال
الأمن والمعارضين المسلحين في السعودية أحسبني
غير قادر علي ضبطها.
لقد تورطت السعودية
ومن ورائها العرب في مواجهة صدام
بالقوة والسقوط في الفخ الدولي
بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما أفقد
العرب والسعودية الكثير من
الاعتبار الديني والسيادة القومية، اذ لم يعرف
التاريخ المعاصر مواجهة
تحمل طابع الخصوصية الحضارية وتتقابل فيه قوة
عربية مع قوات عسكرية
دولية لا تنطلق فحسب من أراض عربية مقدسة بل ما
زاد الصورة بشاعة خصوصا علي المستوي
الشعبي، هو هذا الخروج عن الناموس
التاريخي الحضاري، حتي أننا شاهدنا معركة يتقابل
فيها العربي الاسلامي مع العربي
الاسلامي الأوروبي المسيحي وهذه في حد ذاتها مزحة
تاريخية وتطاول علي المقدس
التاريخي والجغرافي في معركة مصيرية فاصلة بين
العربي ـ العربي راسمة
بذلك معالم سياسية مستجدة التقت فيها مصالح الدول
العربية الكاره منه او
المتحمس للحسم عسكريا مع نظام عربي بامكاننا حسب
سنن التاريخ والواقع أن ننتقده
بل أن نندد بمعظم سلوكياته علي
مدار ثلاثين سنة، غير أن ذلك يصعب علي تمرير مثل
هذه الأدوية علي حناجر
الجماهير العربية والاسلامية التي لم تشهد مرحلة
من السقوط بمثل هذا العمق
حتي وهي ترزح تحت الاستعمار..
ان سقوط النظام
العربي المعاصر ليس له
قعر، فقد ظل مستمرا منذ نهاية حرب
1973؟ فرغم تضحيات قلب العروبة والاسلام ومحاولته
العسكرية لاسترجاع ما أخذ بالقوة
عبر القوة الا أن انخرام التوازن الدولي جعل مسألة
الصلح مع اسرائيل حتمية تاريخية
أملاها التفوق التكنولوجي الغربي والاسرائيلي، ولم
تعد مهمة دماء ذلك القلب الكبير
ايصال الأوكسيجين الضروري لامداد الأطراف العربية
الأخري بما يؤمن استمرار الحياة
من غير الولوج في السلام والتطبيع لاحقا، وهي
اللحظة الزمنية التي تم فيها
الطلاق بين القلب وسائر أعضاء الجسد، ولهذا دخلت
العلاقات العربية ـ الاسرائيلية
مرحلة يصعب فيها الحفاظ علي الموازنة الاقليمية
التقليدية، وظلت بقية القوي
العربية الرافضة والقابلة بالسلام يهوي الواحد
منها تلو الآخر اراديا أو
تحت الاغصاب والاجتياح، ولم تكن الحرب الأخيرة
بقيادة الولايات المتحدة
الأمريكية الا حلقة في سلسلة من التراجعات العربية
والنكبات المتتالية علي
أنظمة هشة لا سند لها الا الاستقواء بالغازي نفسه،
فبعد سقوط مصر واسقاط النظام
العراقي فان الساحة العربية أصبحت
كفريق رياضي تخرج الأوراق الحمراء في وجه اللاعب
تلو الآخر، وما أن ضرب الارهاب
الاسلامي العربي تلك البنايتين حتي وجدت الولايات
المتحدة الأمريكية نفسها في حرب
استنزاف ليس مع دول عربية هذه المرة، ولكن مع
عصابات يصعب تحديد هوياتها في
مرحلة اختلطت فيها كل الأوراق، السياسي منها
والديني، ولئن كنا محظوظين
بالفوز بشعار ما بعد مرحلة الفوضي الكاسحة
والمتمثلة في حصان الارهاب،
فان ذلك لا يغنينا عن محاولة تفهم هذا السقوط،
وليست محاولة الغرب الي
البحث عن بديل لهذا التورط الحضاري الذي زج الغرب
وحلفاؤه أنفسهم فيه غير السعودية
التي تواطأت كثيرا مع الغرب
الغازي مقدمة بذلك تضحيات كبيرة ليس علي مستوي
المال والسياسة ولكن خسارة
تلك الصورة الاسلامية المقبولة علي علاتها لدي
الرأي العام العربي
والاسلامي، فالسعودية لم تفرط في مقدسات الاسلام
كما أن نظامها السياسي لم
يسمح لنفسه برفع الراية السوداء في وجه أي طرف
اسلامي باستثناء من تورط في ممارسة
أعمال العنف المادي المباشر،
والسؤال المحير لكل من يحاول أن يفهم معضلات
المنطقة هو: هل بامكان
السعودية أن تساهم بشكل قيادي في اخماد النيران بل
البراكين السياسي منها
والطائفي في المنطقة؟
ان السؤال المربك
والتساؤل الفخ لا يكمن في أن
السعودية لا تتمتع بالامكانات
الضرورية لاطفاء الحرائق الايديولوجي منها
والعسكري بما يبوئها مكانة
عربية ترتقي الي مستوي جر القاطرة العربية الطويلة
ولكن: هل يستطيع النظام
السعودي أن يقدم علي الخطوة المحددة لكل اصلاح في
المنطقة يمر ضرورة عبر
اصلاح الذات أولا، وهو الشرط الوحيد الضامن لكل
تغيير جاد في الطريق المضاد لما
حل بالمنطقة من خراب؟ ليس لدي شك
في أن الغرب قد تكون لديه النوايا الحسنة بعد أن
جرب عنف أقوي الدول كسبيل لمعالجة
أوضاع المنطقة من موقع الاستعلاء والايمان عن غير
صواب بأن القوة الغاشمة هي الحل،
وأعود الي تحديد ما أردت قوله: هل تستطيع السعودية
أن تسمح للمرأة بأن تصبح شريكا
لشقيقها الرجل في الميادين العامة كالتربية
والمستشفي ودور الحضانة ووراء
عجلة الجمل الحديدي ولم لا وزيرة دون أن تتحول
المرأة السعودية الأصيلة
الي بضاعة تباع بثمن بخس علي شاشة الانترنت
والتلفزيون؟ وهل أن الأسرة
السلسلة تملك من الجرأة ما يسمح بالاقدام علي
اصلاح سياسي ديني ووضع دستور
يتماشي ومصالح السعودية ويحدد
بشكل قانوني أصيل ومتفتح دور مؤسسة الحكم مع ضمان
سلامة واستمرار هذه المؤسسة وضمان
حق كل فرد سعودي في المشاركة السياسية الحرة في
الاختيار وبعث برلمان من حقه أن
يسائل الوزير ويراقب مصائر المال العام، كما يضمن
حق التشريع فيما ليس فيه نص بين
ويتدخل لتعديل أي قانون يتنافي مع مسلمات الدين
ومصالح السعوديين؟
أقول هذا ليس من باب
النكء في الجرح الغائر في الصدر العربي
والاسلامي أو من باب التهجم علي
المملكة العربية السعودية ونظام حكمها، فأنا أعرف
أن الولايات المتحدة الأمريكية
لديها في سجونها ثلاثمائة محكوم عليهم بالاعدام،
وهي تعدم فعليا ما يربو عن
الخمسين مجرما سنويا ولم أسمع اعلاميا واحدا يندد
بالعقيدة المسيحية لأن
الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمي غير قابلة
للابتزاز، أما اذا أقدمت
السعودية علي اعدام مجرم واحد فان الاعلام الغربي
لا يدين هذه السلطات فحسب
وانما يدين معها الدين الاسلامي، وهذا من كبائر
الاعلام الغربي الذي يميل الي
الموضوعية والاعتدال عندما يتعلق
الأمر بغير شأن المسلمين وهو انحياز مردود ومرفوض.
ورغم أنني ضد عقوبة
الاعدام الذي أجرمه عندما يتعلق الأمر بمعارض
سياسي لم يتورط في
العنف، فان علي السعوديين أن
يدركوا أنهم قادرون علي الاساءة للاسلام في غياب
قوانين واضحة مكتوبة سوادا علي
بياض تضمن كرامة الانسان التي فرضها الاسلام بالنص
الثابت وغير القابل للتأويل...
وهي القوانين الضامنة وحدها للاستقرار المنشود
سعوديا أولا وعربيا ثانيا بعد أن
تراجع دور المركز الجاذب والمغناطيس القومي العربي
لمصر، واسلاميا ثالثا في ظل غياب
النموذج السياسي الاسلامي القائم علي المشاركة
والمراكنة بدل المغالبة
والمبارزة، وليس ارتفاع أسعار النفط الذي أملته
الحرب الأمريكية المفتوحة
في المنطقة، والذي تنعم السعودية بفضله برخاء
اقتصادي وتتبني بعض أنماط
العيش الحديثة، الا عاملا ثانويا، بل انه قد يتحول
ـ اذا لم يحم باشاعة العدل
ـ الي بركان يأكل اليابس والأخضر من صحراء الربع
الخالي.
كاتب واعلامي تونسي مقيم في بريطانيا
2007/11/ 23القدس
العربي |
عودة |
|
|