إعدام صدام .... لماذا؟

فتحي محمد

     

فرصة أغلى من الذهب كانت أمام الحكومة  العراقية لتثبت صلاحيتها للحكم ولكسب ثقة ابناء الشعب او ما تبقى منها و ردم الهوة الكبيرة بين الحكومه وبين رعاياها الذين  تولد  لديهم أحساس لا يلامون عليه من  ان الحكومه لا تعبئ باحتياجاتهم وان الوعود الانتخابية  كغيرها من الوعود ذهبت حتى قبل ان تصلها أدراج الريح.فرصة للملمت الجراح والمضي فوقها بخطى اكثر ثقة... خطى العدالة .

ساعات حاسمة لا يمكن قياسها بمقياس الزمن حيث كان بالامكان ان تكون عرسا عراقيا حقيقيا به تفرح كل اطياف الشعب المسكين.. الذي لم يذق معنى الفرح مذ ان صرخ صرخة الولادة الاولى. ان دولاب الحياة قد يضع بين يديك من الظروف  والمغريات والتسهيلات ما انك لو تصرفت بحكمه لا تخلو من دهاء فستكون كبيرا وربما كبيرا جدا  في عيون خصومك قبل الاصدقاء ...وهكذا هي الدنيا لا تنتظر احدا .. تذهب بفرصها  ويكبر بها من يحسن فن الارتقاء ويصغر من لا يستطيع ان يرفع بصره فوق أقدامه.

ان يكون بين يديك حكم اكثر من ثلاثين سنة بكل ما تحمل من ظلم واستبداد وقمع وبكل ما تنطوي عليه من اسرار ومغامرات وضحايا من الاقصى الى الاقصى  ...ان يسقط عندك دكتاتور يعني ان الدوله كلها بين يديك فاصبح تحت تصرفك ماضي كان من المستحيل عودته حتى بحت حناجر من غنى ( الا ليت الشباب يعود يوما ) لكن سقوط طاغية بهذه الطريقة يعني تحدي المستحيل وعودة الماضي لاستفادة منه قدر محاكمته.. لكشف الارصدة من دماء الاطفال.. للبوح بمقابر جديده... للوقوف على  اسئلة ما كان يجب ان تدفن من جديد لتنهض اسئلة نحن في غنى عنها .

تم احتلال العراق وشكلت المحكمة التي اختارت جزئية من جرائم صدام لتحكم عليه بالاعدام رغم كل ما يمكن اثارته عن المحكمة وظروف تاسيها  و استقلاليتها .....الخ تبقى الكلمة الاخيرة للقضاء هو من يقرر  العقوبة ومدى ملائمتها للوقائع الجرمية المعروضه امامه. وكل هذا كان يمكن تحاشيه لو ان الحكومة كانت فعلا حكومة.. على اعتبار ان الغالبيه العظمى من الشعب العراقي  يدركون تماما مغامرات واجرامية  من أعدم لايمكن حتى هذه اللحظة ان ياتي من يقول ان صدام كان بريئا .

المهم الذي حدث حدث وفرصة صناعة الكبار قد لا تتكرر .نفذ حكم الاعدام بصدام وسط  تساولات كبيرة جدا ليس حول استحقاقه هذه  العقوبه ام لا بل حول السرعة و التوقيت و  الاجواء العامة عند التنفيذ .ان اعدام صدام بهذه الطريقة كانت خدمة له قدمها من اقدم على تنفيذ الاعدام. أن تفتح الارض فمها فتبتلع اسرارا  وربما خيانات للشعب بكامله  بل الاكثر ان  تتحول  تلك المجازر  الى بطولات  هي فعلا سخرية القدر ان اعدام صدام بتلك الطريقة تجازو  لكل رغبات العراقيين في الكشف عن المزيد.  

الان وقد نفذالاعدام كعقوبة  للرجل حكم العراق بالدم والنار يحق لنا ان نقف قليلا عند الغاية الرئيسة التي شرعت من اجلها القعوبة . بالتاكيد ان الفلسفة الحقيقة من العقوبه ليس فكرة الانتقام وربما هذا هو الاساس الذي يقف وراء فكرة اقامه مؤسسة الدولة وتجاوز فكرة الفرديه على اعتبار ان الدوله لا ينبغي عليها ان  تجعل من ممارسة وظيفتها فرصه لانتقام من رعاياها اما الفرد فان فكرة الانتقام والاخذ بثار لا تغيب عنه كثيرا .فالغايه الرئسيه من العقوبه تحقيق العدالة من جهة وحمايه المجمتع عن طريق فكرة الردع من جهة اخرى.

ففكرة العدالة تتحق ليس من خلال تنفيذ العقوبه فقط بل ان تنفيذ العقوبه  اخر مرحلة في تحقيق العدالة وان ما يكون قبل تنفيذها مهم جدا لاقامتها.حيث ان كشف كل الملابسات والدوافع و الشركاء والمحرضيين في جريمة معينه خطوة لابد منها للتحقيق العدالة. حتى يستشعر الناس انه لا يوجد استهانه بحقوقهم وتتلاشى فكرة الانتقام لديهم  تدريجيا عند ادراكهم وجود دولة ومن ظمنها حكومة حريصة على حقوقهم حرص الاب على ابناءه. فالحديث عن العدالة في قضية شائكه ومعقدة مثل قضية صدام  يحتم علينا الوقوف عند طبيعة الانتهاكات التي ارتكبت ضد الشعب العراقي وعدم الوقوف عند جريمة واحدة .اذا كان الحكم بالاعدام على صدام عادلا في قضية الدجيل فان تحقيق العدالة للعموم الشعب كان يقتضي تأجيل تنفيذ  الحكم حتى ينظر في قضايا اخرى أكثر أجرامية وأشد قسوة كقضبة حلبجه مثلا .انا كاعراقي كنت اتمنى ان يستمر التحقيق في قضية ما تسمى بالانفال مع وجود صدام على قيد الحياة .لماذا في لحظة ما قررت الحكومه او بعض منها  بتر العداله  وحرمان  طائفة كبيرة من الناس الوقوف عند حقيقة ما جرى ؟.

الكثير من الناس كانوا يبحثون عن تصديق او تكذيب لما يشاع  من وجود أطراف محلية او اقليمية  او حتى دولية كانت على علاقة بما حدث من ماساة بحق  أهلنا في الشمال . لماذا كان الاسراع  في تناسي تلك الهياكل الطاهرة ؟ . الا يستحق  أطفال حلبجه ان يساهموا في تحقيق العداله؟؟ الم يكن  حريا بالحكومة  ان تقدم لهم  ولنا برهانا ان العدل قادم لا محاله؟

لماذا كان الخوف؟  لم يكن بالامكان تبرئة صدام فهو ابتداء قد حكم علية بالاعدام في  قضية الدجيل .حتى على افتراض صحة ما يشاع من  التدخل  لماذا لم يذكر صدام ذلك في جلسات المحكمه الاولى؟ ..هل لان الحقيقة فعلا هو وحده من شارك بتلك الماساة ؟ ام انه  قرر ان يموت مجرما فقط أفضل له من ان يموت مجرما وخائنا للشعبه ؟ لان  التدخلات الاقليمية  والمحلية والدولية  على افتراض وجودها  ما كانت لتتم لولا دعم صدام لها وألا هل يستطيع احد ان يفسر لنا  سر صمت صدام كل هذه السنين رغم كل  كتب من تقارير حقوقية  عن تلك الماساة. ام ان الحكومه المنتخبة استكثرت على الشعب ان يعرف حقيقة موته ولو مرة واحده. انني استغرب كيف قبلت الزعامات  الكردية  ذلك .

 من جهةاخرى  فان  فكرة الردع هي  الهدف الثاني المرجو من العقوبة .فهي الضمانة الرادعة للفرد نفسه او للمجتمع, تحول دون  العود مرة اخرى الى السلوك الاجرامي والاستهانة بحق الشعب بالعيش بامان وهدوء .بالتاكيد فانه في  عقوبة الاعدام فان الردع لا يمكن تصور تحققه لدى الجاني نفسه فهو ينفذ في الجاني تحقيقا للعدالة ويحقق الردع بالنسبة لاخرين  افرادا او جماعات فالمصير نفسه ينتظرهم اذا ما كرروا الافعال  ففي القصاص حياة للمجتمع. ان تنفيذ عقوبة الاعدام بالطريقة التي شاهدناها يزعزع فكرة الردع فعندما تقوم جماعة مسلحة متهمة من قبل الشعب العراقي بتنفيذ او  حتى بالاشراف على التنفيذ فهي اشارة واضحه لهم انه فوق القانون وان ما يقومون به مبارك من قبل الحكومة . فضلا عن ذلك ما رافق الاعدام من عبارات تعطي اشارة للمواطن العادي ان الحكومه لديها رغبة في الانتقام وليس تحقيق العدالة كما انها تقزم معاناة شعب بكامله  لتجعلها  وكانها  كانت محصورة  ضد  جماعة ينظر اليها الكثير بعين الريبة والاتهام  . ما حدث فعلا لا يليق بالعراق....ولكن لماذا؟؟؟.

هكذا ببساطه طويت تلك الصفحة لتفتح  صفحات جديدة اخرى .... عنوانها المهم... لماذا ؟

فعلا كان امام الحكومه فرصة لا ستخدام اعدام صدام ورقة رابحة لها  لدى العراقيين اذا لم اقل كلهم فاكيد بغالبيتهم العظمى... .بل حرمتهم ولا اعرف لماذا من عرس عراقي كان ممكن ان يكون .

فتحي محمد

باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية في جامعة الاوتونوما في مدريد

 4-1-2007   مدريد

عودة

 

الصفحة الرئيسية

خاص بقضية تيسير علوني

رواق الدكتور هيثم مناع

مقـــال أســبوعي

انتهاكات حقوق الإنسان

انتهاكات حقوق الصحفيين

انتهاكات حرية التعبير

انتهاكات حقوق العمل الخيري

الحقوق المدنية في سورية

قضــايا الخــليج العـــربي

قضــايا لـبنانـــية

قضــايا فلسطينية

قضــايا عــراقــيـة

مقالات وأخبار عامة

تقــاريــر ودراسـات

بيــانات عامــــة

حملات تـــضامــن

أقلام حرة - أدبيات

مكـــتبة فنيـــة

مواقع ذات صلة

 

 

 

 

 

 

alonysolidarity@wanadoo.fr