البيان الثاني لمحاكمة دعاة الحقوق الشرعية بالقصيم

     

وبرفقه المذكرتين الأولى والثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

(المذكرة الأولى: نطالب بإبعاد رجال المباحث الذين أخذوا دور موظفيكم ، فسجلوا  أسماءنا ومحامينا، وأسماء الممنوعين من الدخول-باعتبار الجلسة سرية-وهوياتهم وهواتفهم- على كراس عليه شعارها

صاحب الفضيلة القاضي بالمحكمة الجزئية ببريدة:

 إبراهيم بن عبد الله الحسني وفقنا الله وإياكم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نشير إلى الجلسة الأولى من محاكمتنا يوم السبت 26/8/1428هـ(7/أيلول/2007م )، واعتراضنا على تدخل رجال المباحث وقيامهم في مكتبكم بتسجيل جمهور المحاكمة، مع أنه لم يسمح لهم بالدخول أصلا، وهذه مذكرة باعتراضنا على ماحدث، ومطالبتنا بتلافيه مستقبلا، والتحقيق في بواعثه.

أ-إن مجريات ما حدث:

 حسب المعلومات التي تجمعت لدينا أو شاهدناها، هي كما يلي:

 الأولى: أن المباحث تكثفت منذ الساعة السادسة صباحا، على شكل طوق أمني على المحكمة، يتابع بسياراته السيارات، ويلاحق بأفراده المشاة، وذلك تصرف أرعب جمهور المحكمة عامة، والآتين لحضور محاكمتنا خاصة.

الثانية: أن أفرادها عند بوابة المحكمة، تسأل كل من يدخل من أحد أبواب المحكمة، عن قصده من الحضور، فإن بين أنه يريد مكتبا غير مكتبكم أذنوا له، وإن تلعثم أو حدد مكتبكم أو محاكمة الإصلاحيين منعوه.

الثالثة: أنها تمادت في تدخلاتها، حتى قامت -في مكتبكم-بتسجيل أسماء من استطاعوا الدخول إلى المحكمة، واطلعوا على هوياتهم وسجلوا هواتفهم، بدفاتر عليها نيشان المباحث، مع أنه لن يسمح لهم بالدخول أصلا، كما قامت بتسجيل أسمائنا ومحامينا ووكلائنا.

ب-ولكن ماحصل يشير إلى أمور:

إن من الطبيعي أن يكون في المحاكم طاقم للأمن والحراسة، وحفظ الهدوء والنظام، ولكن –نرى في إطار معايير استقلال القضاء الدولية-أن يكون حرس المحكمة تابعين للمحكمة، لا من رجال الأمن العام، وأن تكون للمحكمة السيطرة التامة عليهم، لكي يأتمروا بأمر سلطة القضاء.وأن يلصقوا شعار القضاء على صدورهم وأكتافهم، لكي يطمئن الناس إلى أن الذي يأمرهم ويتفحص هوياتهم هم من القضاء، وأن تنتهي مهمة رجال المباحث، وجنود الأمن التابع لوزارة الداخلية؛ عند بوابة المحكمة، وأنه لايحق لهم دخول حرم المحكمة، ولكن ما حصل يشير إلى أمور:

الأول: قد لا نستطيع أن نقرر مدى ضرورة تكثيف الدوريات البوليسية، حول المحكمة، ومدى كونها مبالغة في الإجراءات، ولكن نستطيع أن نقول إن نتيجتها؛ تخويف الجمهور من حضور المحاكمة،

الثاني: إن تدخل  المباحث في مكتبكم  يدل على أنها هدفها إشاعة الخوف في المحكمة، على العموم والخصوص.

الرابع: أنها قامت أيضا بمضايقة بعض الإعلاميين، وطلب هوياتهم، وسؤالهم عن دوافع حضورهم وذلك تصرف يشي برغبتها في تجنب الشفافية والعلانية والوضوح، وهو رسالة لزجرهم عن النشر في قضايا تهم الناس، ويتابعونها باهتمام، لتعلقها بحقوقهم وحقوق سجنائهم، وإبعاد الرأي العام عن القضية، وهذا من معوقات نزاهة القضاء واستقلاله، كما سنفصل في مذكرة المطالبة بعلانية المحاكمة.

الخامس: إن هذا من ألوان تخويف المدعى عليهما ووكلائهما خصوصا، والمحامين عموما، عن قضايا حقوق الإنسان، لأن الخصومة المقامة هي بيننا وبين هذه الأجهزة خصوصا ووزارة الداخلية عموما.

 السادس:إن من الطبيعي عندما تكون الخصومة بين الأفراد والأجهزة الأمنية؛ أن يلاحظ القضاء، أن تواجد المباحث، من مداخل الاستفزاز بين جمهور المحاكمة والأجهزة الأمنية، وأنه قد ينتج التفافا على العلانية، أو يفسد جوها،عفوا وقصدا،

السابع:إن جو الخوف الذي يزرعه هذا التدخل والتكثيف، لا يقتصر على المدعى عليها، بل يؤثر أيضا على القضاة والموظفين، فالمحاكم هي ملاذ الأفراد العزل، من تجاوزات الدولة، والحكومة خصوصا، وهي المخولة بنصب القسطاس؛ وتدخل المباحث-بهذه الكثافة -من معوقات استقلال القضاء والقضاة.

الثامن : أن إشاعتها جو التوجس والخوف داخل المحكمة، مع جو الغموض والسرية، أعطى انطباعا، بأن قرار سرية المحاكمة، قرار لا تنفرد المحكمة ولا القاضي باتخاذه، فصار الانطباع السائد لدى الرأي العام؛ أن قرار سرية الجلسة، قرار اتخذه الخصم لا القضاء.

ج=المباحث تريد إفشال علانية المحاكمات:

إن تجربة محاكمة الإصلاحيين الثلاثة في المحاكمات، أثبت أن الجهات الأمنية، عندما يقرر القاضي علانية الجلسة، تحاول إبطالها عبر رجال المباحث المقنعين بلباس مدني، الذين يملأون القاعة، بوقت مبكر وكأنهم من الجمهور، من أجل تزييف معيار العلانية، ويتكاثرون باللباس العسكري-في ردهات المحكمة- من أجل التخويف.

وهذه لعبة بسيطة من بديهيات المباحث، أن تستفز الجمهور، لكي يندفع إلى تصرف غير لائق ثم تركز عدسات التصوير، على ما يفعل ويقول، لكي تقول إن الشعب لم ينضج لحضور المحاكمات.ولا سيما أنها عندما واجهت الجمهور، وجدت من يعرف الحقوق، ويقول لها:إن وظيفتكم تنتهي عند أبواب المحكمة، وإن أساليبكم القديمة في انتهاك لاستقلال القضاء مكشوفة، ويقولون لهم بلسان المقال: إن وزارة الداخلية تشل سلطة القضاء، ويسرح رجال مباحثها في المحكمة بأسلحتهم، وكأنهم السلطة العليا.

ومن يقول لها لماذا استفزاز الناس بالمبالغة في المظاهر البوليسية التي لا ضرورة لها، فالناس جاءوا إلى المحكمة و لم يأتوا إلى مخفر، ومن يقول لها هذه أسماؤنا، ولسنا خائفين، ومن يقول لها:إن عدد موقعي البيانات المطالبة بالعدل والشورى شرطي البيعة على الكتاب والسنة (أي الدستور والمجتمع المدني وحقوق الإنسان ) أكثر من ألف شخص فكيف لا يتوقع أن يحضر عدد رمزي منهم لمحاكمة اثنين من زملائهم.

د-أخيرا:

 من المهم تحديد وظيفة المباحث والأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية،بأنه ليس من مهمتها تخويف الناس وترويعهم، ولا سيما في المحاكم، التي رمز حماية العدالة والحقوق، وبأن حراسة المحكمة فضلا عن تنظيم الجمهور،إنما تكون لجهاز يتبع المحاكم، فتنظيم الجمهور داخل المحاكم أوالحضور في مجلس القضاء، يرتبط القضاة كما نص نظام الإجراءات الجزائية.

 إن تكاثف الأجهزة الأمنية، لا ينسجم مع استقلال القضاء، ولا مع حرمة المحاكم، لاسيما والمباحث طرف في  الخصومة، وتواجدها يخل بمبدأ المساواة.

ومن أجل ذلك نرجوكم أن يقتصر حفظ النظام في المحكمة على جنودها الذين ثبتت شارة القضاء على أكتافهم.

 هذا بصفتنا مدعى عليهم يطالبون بحقهم في محاكمة عادلة.

 ونطالب أيضا بالتحقيق في أسباب هذا الأمر،-بصفتنا من دعاة تعزيز استقلال القضاء –لأن تدخل رجال السلطة التنفيذية في السلطة القضائية، مدخل من مداخل تخويف المتهمين والجمهور والقضاة، والضغط على حياد القضاة واستقلالهم، يفضي إلى التدليس على انتهاك حقوق المتهم، وإصدار القضاة عقوبات قاسية، لاتتناسب مع التهم.

وننتظر أن تنفذوا وعدكم، بإنهاء مثل هذه التجاوزات

والله يحفظكم ويرعاكم والسلام.

عبدالله وعيسى الحامد

المتهمين بتحريض النساء على الاعتصامين ببريدة/القصيم

‏03‏/09‏/1428( ‏15‏/09‏/2007)

بسم الله الرحمن الرحيم

المذكرة الثانية:

نطالب بعلانية المحاكمة/ لعشرة  أسباب

صاحب الفضيلة القاضي بالمحكمة الجزئية ببريدة:

 إبراهيم بن عبد الله الحسني وفقنا الله وإياكم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نشير إلى الجلسة الأولى من محاكمتنا يوم السبت 26/8/1428هـ(7/أيلول/2007م )، وإلى اعتراضنا -أثناء الجلسة-على سرية المحاكمة، وفي هذه المذكرة نفصل لكم الأسباب. 

1= النبي صلى الله عليه وسلم رسخ معيار العلانية:

إن علانية المحاكمة من أهم وسائل ضمان عدالة القضاء ونزاهته، إن لم تكن أهمها، إنها تأمين مهم لاستقلال القضاء، ووسيلة فعالة لتقوية روح المسئولية، وتحول دون توفر فرص تدخل الحكومة، ودون سيطرة الأعلى على الأدنى في جهاز القضاء، وتدعم ثقة الجمهور.

لقد سبق الإسلام النظم الدستورية الحديثة؛ إلى تقرير هذا المبدأ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقضي بين الناس في المسجد. وقد علل الفقهاء قضاء النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين في المسجد، بأن المسجد "أقرب على الناس في شهودهم" وهذا يؤكد الحرص على شهادة الناس وحضورهم، فثمة إدراك لأهمية حضور الجمهور. من أجل ذلك قال مالك والحنفية والحنابلة: إن المسجد أنسب مكان يقضي فيه القاضي.

وللقضاء في المسجد فوائد، منها: أنه إعلان للمحاكمة، وهو إعلان أبعد عن التهمة، لأن كل فرد يستطيع أن يحضر المجلس إن رغب، فلا يشتبه عليه المكان، لا يحتاج الغريب إلى من يهديه ولا يحتاج أي إنسان فيه إلى استئذان.

وقد جرى كثير من قضاة الإسلام على القضاء في المسجد، وهي عادة حميدة لاسيما والقضاء عبادة، من  أفضل العبادات، ولذلك درج كثير من الفضلاء على مزاولته احتساباً دون أجر.

وتأكيدا لأهمية علانية المحاكمة، ورفضا لكل مسارب القضاء السري؛أحرق عمر بن الخطاب، دار أمير الكوفة أبي موسى الأشعري ، لما جعلها أبوموسى مكانا للقضاء، ولو كانت أمرا اجتهاديا  للقاضي حق بتحويلها إلى سرية، لما أحرق الخليفة الدار، فقد نص الفقهاء على وجوب أن يقضي القاضي علناً، وحددوا معيار العلانية ؛ في مكان القضاء:

-أن يكون في مجمع الناس.

-وأن يسهل على الناس الحضور والشهود.

ونص بعضهم على حضور الفقهاء، وأهل العلم والرأي والمشورة.

     واشترطوا في أي مكان يقضى فيه كالدار والمكتب شرطين:

-             أن تفتح الأبواب.

-             وأن لا يكون عند الأبواب حجاب (انظر تبصرة الحكام لابن فرحون).

من خلال تقرير الإسلام مبدأ علانية الجلسات، يتبين حرص الإسلام على مبدأ الشفافية، لأن العلانية جزء من الشفافية، وكل وسيلة تحقق العدل، ولا تعارض نصوص الشرع، فهي من الشريعة، وإن لم ينزل بها الكتاب، ولا فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، كما قرر الفقهاء كابن عقيل وابن القيم في غير هذا السياق.

إن عنصر الشفافية والعلانية شديد الارتباط بالاستقلال والمسئولية، إن تقديم معلومات مبهمة أو ناقصة أو غير صحيحة يفضي إلى التضليل، وإلى إضعاف الثقة بالقضاء، ولذلك فإن النزاهة والحياد والمساءلة وثقة العامة مسائل أساسية، في معيار الشفافية.

 بل إن الطبيعة المغلقة لأي تنظيم، فرصة للإخلال بالإدارة الجيدة. وما لم يتوغل مبدأ الشفافية في مختلف مجالات القضاء، فلن يحصل المصلحون داخل السلطة القضائية وخارجها ولا الشعب؛ على المعلومات اللازمة لتقييم الإصلاحات ومتابعتها، وإن ثقافة السرية والانغلاق تحول دون تنفيذ أي مبادرة إصلاح. لأن المصلحين لن يحصلوا على المعلومات والأدلة التي يحتاجون إليها لتعزيز العدالة، ولن تتعزز الثقة في السلطة القضائية، من دون وضوح المعلومات

وعلانية المحاكمة باب عظيم من أبواب سد ذرائع الفساد، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس"، وفي العلنية صيانة لهيبة القضاء والقضاة عن الشائعات،كما في الأثر:"رحم الله امرءا كف الغيبة عن نفسه".

 وضع الإسلام العلانية لعدالة المحاكمة، لأن الإعلان بيان ونور، والإخفاء مظنة الكذب والجور ، ولذلك أمر الله بإعلان كل أمر مشروع ، فأمر بإعلان الزواج، ونهى أن يكون  الزواج سراً، لأن السرية مظنة الفجور، فقال تعالى ((ولكن لا تواعدوهن سراً))، وكذلك المحاكمة فإن إعلانها مظنة العدل، وإسرارها مظنة الجور والبغي كما قال الشاعر:

الستر دون الفاحشات ولا       يلقاك دون الخير من ستر

ولم يعرف القضاء الإسلامي طوال العصور الغرف المغلقة ولا المحاكمات السرية.فالعلانية والشفافية هما إحدى سمات القضاء العادل عبر العصور،في كل أمة وملة، ؛ ويعتبر اليوم من المعايير الدولية لاستقلال القضاء، التي يقتضيها الحكم بالعدل، في الدول الدستورية(انظر: معايير استقلال القضاء الدولية، في بوتقة الشريعة الإسلامية:المعيار الرابع عشر والخامس عشر: 110-115)، وهو أهم بنود عدالة القضاء السبعة، التي أقرتها الأمم المتحدة، ووقعت عليها الدول، ومن ضمنها المملكة.

  فهي عرف شرعي، عرفه المسلمون قبل أربعة عشر قرنا، من كونها معياراً دوليا رئيسياً، من معايير نزاهة القضاء واستقلاله عن الحكومة.

 2=ارتباط علانية المحاكمات برقابة الأمة على القضاء:

  وحضور الجمهور جلسات القضاء، له علاقة بتسهيل الرقابة الشعبية على القضاة والأمراء، وقد يغفل بعض الناس عن أن نزاهة القضاء وعدالته، لا يمكن أن تضمن من دون رقابة الشعب.

وهذه المعايير منطلقة من أن القضاة ليسوا إلا جزءاً محدوداً من المؤتمنين على العدل والشرع، ورقابة الشعب على القضاء والقضاة مبدأ دستوري، لم يغفله الإسلام.لأن الأمة في الإسلام، هي المكلفة بحفظ الشرع، لأن الأمة هي الحافظة للشريعة، لا القضاة والفقهاء والأمراء وحدهم ، كماقال الإمام بن تيمية، رحمنا الله وإياه وإياكم:"الأمة هي الحافظة للشرع".

وبناء على قاعدة أن الأمة هي الحارسة للشرع ، تتأكد مشروعية حضور الناس أي محاكمة؛ قاعدة قضائية ،لا يجوز التهوين من قدرها، أسس لذلك الدليل العام في قول النبي صلى الله عليه وسلم " الناس شهود الله في أرضه " فليست حراسة العدالة مقصورة على القضاة، بل هي لعموم الأمة، وليست حراسة الشريعة من اختصاص الفقهاء وحدهم، لكي يقال لا فرق بين السرية والعلانية، أو يقال إن من صلاحيات القاضي أن يحولها سرية.

لا يستقيم مبدأ السرية في المحاكمات المتعلقة بالشأن العام للأمة، ما دامت الأمة هي الحافظة للشرعة، لا الإمام ولا القضاة ، ولا الفقهاء وحدهم، لأن مقتضى تبعة الأمة في حفظ الشريعة، أن يكون لها حق المتابعة والمراقبة، على وسائل تطبيق هذا المقصد الشرعي، لذلك جاء معيار الشفافية والعلانية، بصفتهما معيارا إسلاميا لعدالة القضاء ، قبل أن تقرر الدول الحديثة ذلك بأربعة عشر قرناً .

وتأسيسا لمبدأ رقابة الأمة، جاء قوله صلى الله عليه وسلم "الناس شهود الله في أرضه"، ولكي يشهدوا ينبغي أن يحضروا.

 وفوائد حضور الجمهور كثيرة، ولاسيما المحامون، الذين يتمكنون من أخذ العبر والخبرات والدروس، ويعرفون حقوقهم وحقوق الآخرين، ولا سيما أهل الصحافة والاعلام وأهل الحسبة المهتمون بحقوق الإنسان.إنهم من شهود الله في ارضه، على مدى عدالة القضاء.  

 وهذا المبدأ لا يمكن إجراؤه في الدولة الإسلامية الحديثة،إلا  بفتح أبواب المحاكمات، لحضور أربعة أصناف من الناس:

-المحامون.

- ودعاة حقوق الإنسان.

- والإعلاميون.

- والمهتمون بالشأن العام.

- وبإعلان المحاكمات بوسائل الإعلام.

ومن أجل ضبط معيار العلانية في المحاكمات السياسية بمسطرة، جاء التأكيد على حضور أربعة أصناف من الناس: هم المحامون ( غير محامي المتهم ) ودعاة حقوق الإنسان وأهل الإعلام والمهتمون بالشأن العام، هؤلاء يمثلون الأمة، في ممارسة حقها، في الحراسة والرقابة، وفى الإطلاع على ما يجري في أروقة المحاكم، ومتابعة العدالة وكشف ما يحتمل حدوثه من تجاوزات.

 والإعلام سلطة رابعة، تحرس العدالة، والقضاة على فضلهم، ليسوا معصومين عن الزلل. وتنص المواثيق الدولية على أنه"لا يجوز استبعاد الصحافة والجمهور من المحاكمة، إلا لاعتبارات تتعلق بالإضرار بصالح العدالة، أو بالأسرار الزوجية".

وتنفيذا لمبدأ سيادة الأمة على حكامها وقضاتها، ينبغي أن يتأكد تأكد الأمة من حياد القضاة:إذ لا يكفى أن يكون القضاة محايدين ونزهاء وعادلين، من وجهة نظرهم، أو من وجهة نظر السلطة القضائية، بل ينبغي أن يقتنع الجمهور بعدالتهم، فالناس شهود الله في أرضه،كما جاء في الحديث الصحيح،بل ينبغي أن تعتبرهم الأمة محايدين، ولن تعتبرهم العامة محايدين، إلا عندما تراهم يمارسون حقوقهم في حرية التعبير والتفكير والاجتماع، وتراهم يطبقون الوقائع، على أسس قضائية محددة، تحفظ كرامة مناصبهم، و لن يتأكد الجمهور من كونهم عادلين، مادام لا يراهم يطبقون الوقائع، على أسس قضائية محددة موحدة مدونة معلنة، بحيث تتجانس الأحكام إذا تجانست القضايا، من دون تذرع بالاجتهاد.ولن يعتبرهم محايدين إذا كان تنظيم الجلسات، وضبط النظام، بأيدي أجهزة أمنية، تابعة للسلطة التنفيذية، لأنها تثير التوجس والتخوف. ولن يتأكد الجمهور من كونهم عادلين، ماداموا يؤثرون بت القضايا في غرف مقفلة الأبواب، مخلين بمبدأ علانية وشفافية القضاء.

من دون هذه الوسيلة لن تكون أي محاكمات عادلة.

لا تكاد تتحقق النزاهة إلا في محاكمة علنية، ذات إجراءات محددة، ونصت المواثيق الدولية على علنية المحاكم ، وعلى السماح للعامة بالاطلاع على القواعد القضائية وقرارات المحاكم التي هي نتيجة تطبيق الوقائع على القواعد ومعلوماتها، من ما يدل على فاعلية القضاء ويعزز احترامه.

فجلسات القضاء لا يجوز أن تكون سرية، ومبدأ سلطة الأمة على قضاتها؛ يقتضي حضور المواطنين، جلسات المحاكم، ولا سيما عرفاء الأمة وعيونها وآذانها، من معنيين بالشأن العام ومحامين ومتابعين ما يدور في الجلسة، بل ومراقبتها،ولا يجوز للقاضي منع أي شخص من الحضور، إلا في حالات محددة محصورة، كبعض القضايا الزوجية، أو لامتلاء القاعة، أو خوفا من حدوث انتقام، يقوم به أهل المدعي ضد المدعى عليه في القاعة،أي  ينبغي أن تكون العلانية هي القاعدة، وأن تكون السرية هي الشذوذ المبرر المحدد المحصور.

إن مبدأ العلانية أهم معيار يقاس به استقلال القضاء، من خلال الرقابة الشعبية .

والمحاكمة العلنية هي النمط المعترف به عالمياً اليوم ، حيث تنص المواثيق الدولية على ضرورة أن يؤمن لكل متهم محاكمة عادلة علنية، بواسطة محكمة مختصة مستقلة حيادية (انظر الماده 14 وبنودها السبعة من حقوق الإنسان)

حضور المحامين والإعلامين والمهتمين بالشأن العام،يسهم في  شيوع الأمن  والعدل، باعتبار هؤلاء هم عيون مراقبة ومتابعة العدالة، وظيفتهم التجول داخل الأروقة، و التحديق في ما يجرى داخل الغرف المغلقة، وهم يحققون جانب (الاحتساب) في التناهي عن المنكرات، إنهم عون للقضاء لكي يسد مسارب التدخلات.الجمهور أو المجتمع الأهلي هو حامي سور العدالة، هو حامي استقلال القضاء.

لقد مضى عصر اعتبارهم الجماهير رعاعاً لا يفهمون وسقطت أقوال بعض الفقهاء[التي تحرف الشريعة] فتقول: أن الجماهير رعاع إذا اجتمعوا ضروا , وإذا تفرقوا نفعوا فالجماهير هم المجتمع الأهلي المدني , هم الذين يقفون مصاد لرياح الهوى والإخلال.

 3=العلانية تسهم في حماية القضاء والقضاة  العادلين من التعسف :

وأسلوب العلانية-وفقنا الله وإياكم- فعال في تعزيز استقلال القضاء، عندما يتيح القاضي للطرفين فرص الادعاء والرد، ثم يصدر أحكامه-أيضا- في جلسات علنية، بناء على أدلة تقدم بصورة قانونية، أثناء إجراءات الدعوى، ويسعى إلى تبرير وتسبيب مقنع للأساس القانوني، الذي أصدر الحكم بناء عليه (دليل استقلال القضاء:134).

فالعلانية تحد من الضغوط، وتحفز القاضي إلى إقناع من يقرأ الحكم،.وهي أيضا تعري القضاة الفاسدين، المذعنين للتدخلات، وتحمى العادلين الذين يرفضون الضغوط والهوى، وتكشف للناس مدى حياد الحكومة،وذلك يحد من ضغوط الحكومة على القضاء أيضا. وهذه الإجراءات من ما يعزز العدل.

 فالجمهور هو (الحجا) الذي يمنع تسربات المياه، والرياح والأتربة من دفن القليب. فالقاضي عز الدين بن عبدالسلام، لم يستردد استقلال القضاء، إلا بسور الجمهور،.فإن القاضي مهما ملك الإخلاص والشجاعة والإنصاف، من دون الجمهور ضعيف، يصبح مثل قاضي قم الذي عزلته رغبة سلطان عباسي في مراعاة السجع، عندما بدأ جملة:

 أيها القاضي بقم  فلم يجد كلمة تتم السجع إلا قم، فقال:  قد عزلناك فقم.

إن محصلة ذلك كله، أن استبعاد الصحافة والجمهور من الحضور، وذلك مخالف لقاعدة العلانية المعروفة في الشريعة، فالسرية مظنة السوء أياً كان نوعه، هذه القاعدة إسلامية، قبل أن تجئ في المواثيق الدولية، التي وقعت عليها المملكة؛ في وثيقة حقوق الإنسان (المادة 14 بنودها السبعة التي تنص "لا يجوز استبعاد الصحافة والجمهور من المحاكمة".

ومنع رجال الإعلام والصحافة من الحضور، تهوين من قدر السلطة الرابعة،يؤدي إلى تعتيم الرأي العام وتضليله، كما أنه يدفع الصحفيين الذين يهمهم سرعة نشر الخبر، والرغبة  في السبق، إلى نشر انطباعات غير صحيحة، تضر بسمعة العدالة عموما، والطرف الأعزل خصوصا.

إن ضعف الشفافية في أي إدارة؛ يفتح النوافذ لتكاثر الأخطاء والأغلاط، وحشرات الفساد، كما أنه يسهم في النيل من سمعة القضاء والقضاة.

والقضاة عندما يميلون إلى السرية، -وفقنا الله وإياكم- يعرضون عن بناء علاقة إيجابية مع الجمهور، تقنع الجمهور، بإخلاصهم للعدالة، يفتقدون عنصراً مهما جدا، في الحفاظ على استقلالهم، إذ لا يمكن أن يستقل القاضي و يأمن من التعسف في النقل والعزل، ما لم يكن الجمهور المقتنع بعدالته، حاضرا للدفاع عنه.

القضاء يستمد مبدأ استقلاله من شيئين: نظام القضاء و ضمائرالقضاة، ولكن الأنظمة يمكن تغييرها، والضمائر يمكن تضليلها وتذليلها، فما العلاج؟؟.

القاضي يحمى المواطنين العزل والضعاف، وهو ملاذ المظلومين الباحثين عن الإنصاف، القاضي هو حصن المظلومين فمن أين يستمد حصانته، من يحمى القاضي من التعسف؟.إنه سور الجمهور، كما قال تعالى (( ولولا رهطك لرجمناك, وما أنت علينا بعزيز)).

[القاضي] عز الدين بن عبد السلام، من الذي أتاح له أن يحاكم العابثين بأموال الشعب، من الذي أتاح له أن يرجع معززاً مكرما إلى سدة القضاء؟ إنه الجمهور، لقد ضاع الفقهاء عندما ركنوا إلى سلطة الحكومة، وغفلوا عن أهمية الاستناد إلى سلطة الجمهور، انكمشوا وكأنهم نسوا قول عمرو بن معدى كرب:

فلو أن قومي أنطقتني رماحهم     نطقت ولكن الرماح أجرت

فـ[القضاة السعوديون] أمثال ابن عتيق والخريصي ومحمد بن تركي، وابن إبراهيم وابن حميد -رحمنا الله وإياكم وإياهم- لم يسندهم إلا الجمهور، عندما ضعف جمهورهم اضطروا إلى الانكماش.القضاء لا يحمى بالأنظمة على أهميتها ولا يحمى بالضمائر على أهميتها، سوره الحقيقي هو الجمهور. وبالجمهور يحمي القضاة العادلين من رياح التدخلات.

فالقضاة العادلون لا تضرهم علانية المحاكمة، بل تسهم في دفع الضغوط عنمهم، وهم أكثر الناس استفادة من تعزيز استقلال القضاء ، وهم أكثر اطمئنانا على حصانتهم في جو المحاكمة العلانية، إنهم أكثر الكاسبين من ترسيخ قاعدة العلانية عرفا قضائيا.

والمجتمع الأهلي من فقهاء وأهل إعلام ومحتسبين ومثقفين، وأفراداً وهيئات من من يعملون في مجال حقوق الإنسان، والمجتمع المدني، كل منهم مسئول عن متابعة كل ما يجرى، ومعالجة ما يحصل من أخطاء. مطلوب منهم أن يقدروا علانية المحاكمة حق قدرها،إنهم مع القضاة من السدود التي تسد المنافذ عن أي تعذيب جسدي أو نفسي يقوم به البوليس،أو انتهاك قضائي يقع بالتدليس وإذا صارت المحاكمات السرية ديدن القضاة النزهاء ؛ سيقرعون اسنان الندم ، لأنهم عرضة للأذى والتدخلات والأحكام المملاة، إن استقلال القضاء يهدم لبنة لبنة،  وبناءه يكون لبنة لبنة, وعلى الفقهاء والقضاة والعلماء والمفكرين والمثقفين، أن يسعوا إلى تعزيز استقلال القضاء, في أي موقع كانوا.

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم       ولو عظموه في النفس لعظما

 4= العلانية تحمي المتهم  عندما تكون الحكومة خصيما

ولإيثار القضاة سرية المحاكمات تداعيات، تشجع على إذعان بعض القضاة لإملاءات السلطة التنفيذية، المباشرة وغير المباشرة، كما أنها تسهل اختراق جهاز القضاء، ولاسيما في المحاكمات السياسية.

 لكن المحاكمات السياسية ذات خطورة ، ولا سيما إذا كان المتهم موقوفاً ، كالخصومة بين فرد أعزل وقوة الدولة ، من أجل ذلك لا يصح في مقاصد الشريعة أن يترك للقاضي حرية تحويلها إلى سرية ، لاحتمال حيفه ، وضغوط  السلطة التنفيذية .

 من أجل ذلك -وفقنا الله وإياكم- يمكن صياغة المبدأ الإسلامي بالعبارة التالية : يجب أن تكون المحاكمة علانية ، وكل محاكمة سرية -في الخصومة بين الأفراد والحكومة- فهي غير عادلة، وهي إذن  باطلة إلا إذا تراضى الخصمان على تجنب العلانية .

وأي محاكمة سرية ولاسيما إذا كانت سياسية، فإنما هي باطلة، لأن العلانية تسلط الضوء على ما يحتمل حدوثه في الكواليس، ، فإذا أقام القضاء محاكمات سرية، احتمل أن يكون دوره التدليس، على ما يحتمل أن يمارسه السجانون في زنازين البوليس، وإذا التزموا العلانية كشفت ما في الزوايا من خفايا

إن من ما يعزز سمعة القضاء واحترام الجمهور له، قدرة القضاة على إعلان عدم دستورية بعض القوانين وأعمال السلطة التنفيذية، ورفضهم الأوامر أو القوانين المخلة بالعدالة (الإجراءات المؤسسية والأنظمة المؤسسية التي تعزز استقلال القضاء: مجموعة من القانونيين: دليل: 47)، والعلامة الفارقة على عدالة القضاء في كل مكان وزمان؛ أن يستطيع أن يحكم للأفراد على الحكومة، وهذا الأمر لايتحقق في المحاكمات السرية

وعلانية المحاكمات  تكشف عن الخلل في تحديد المسئولية،وتضبط أن تكون إحالة القضايا على القضاة ذات طابع قضائي محض، طابع موضوعي، لا صلة له بنوع الحكم المتوقع من قاض دون آخر، وأن لا يكون للإحالة طابع سياسي في القضايا السياسية .

 وقد لوحظ في التطبيق السائد في أوربا الشرقية ونحوها، مخاطر غيبة الشفافية حين يستطيع رئيس المحكمة؛ توزيع القضايا على القضاة، من دون معيار الشفافية فيؤثر ذلك على النزاهة و يوفر سبل الفساد، ويعزز سيطرة المنصب الأعلى على الأدنى، ويتيح فرصا لتدخّل السلطة التنفيذية، فتستطيع أن تؤثر على الأحكام في القضايا السياسية، عن طريق التفاهم مع رئيس المحكمة لإحالة بعض القضايا إلى قضاة يوافقون هواها. وأخطر ما يكون ذلك في القضايا التي فيها نزاع بين الدولة والأفراد و لاسيما قضايا الموقوفين.

 فإن جاز الاستثناء في المحاكمات العادية، من العلانية؛ فإنه لايجوز في المحاكمات التي طرفها الدولة، لأن ذلك مظنة التفريط بحقوق المتهمين. والمحاكمات السياسية في العالم لا تكون سرية إلا في الأنظمة الدكتاتورية(المستبدة)، التي لديها ما تخفيه، عن عيون الشعب، وهي المحاكمات التي توصف بالعسكرية.

والإعلام عندما ينشر وجهة نظر الأجهزة الأمنية، يسهم في تضليل الرأي العام ويكثف الضغط على القضاء. وعندما يجنح القضاء إلى السرية ويتجنب الشفافية، يكون الإعلام والقضاء معا،شريكين  في تشويه سمعة الطرف الأعزل، والدوران يتكاملان، للوصول إلى محاكمة غير عادلة.

إذا تأملتم -وفقنا الله وإياكم- ماتفوه به بعض المسؤولين والصحفيين من حملة علينا منذ اعتقالنا، وربط لنا يوحي بدعم العنف؛ تبين لكم أن المحاكمة السرية، بصرف النظر عن النيات، تفضى إلى تحيز قضائي، يضاف إلى تحيز الإعلام، وهذا وذاك يعتبران من وسائل التأثير على سير العدالة.

 ولذلك فإن ما جرى قرائن تدل على أن أي محاكمة سرية؛ -ولو كان مقصودها حسنا-تفضي إلى الإخلال بحياد الهيئة القضائية، وتؤدي إلى انحيازها للطرف الأقوى وهو الدولة، ضد الطرف الأعزل وهو الأفراد، وتزيد تدخلات أجهزة المباحث ضراوة، كما بدا لنا من أول جلسة، من هيمنة رجالها على مفاصل وأبواب المحكمة.

أن العلنية هي أصلاً لمراعاة مصلحة المتهم، ومصلحة المتهم قاعدة كلية، وهي مصلحة محققة لا تلغي بمصلحة متوهمة، أو بمفسدة متوقعة ، ومصلحة المتهم تتأكد عندما تكون الدولة خصمه ، وتتأكد الحاجة إلى العلانية، عندما يكون موقوفاً، أو شبه موقوف(مفرجا عنه بالكفالة)،وليس هناك من مصلحة في أمور المعاملات، إلا وفيها جانب من المفسدة ولكن العبرة بالتغليب.

وسجناء الرأي والتعبير منذ قيام المملكة؛ يشهدون كيف كانت تقام لهم محاكمات جائرة، ظاهرها الحكم بالشريعة، وباطنها الحكم بالجور والهوى، بسبب تدخلات السلطة التنفيذية وبسبب ركون القضاة إلى اجراءات واجتهادات ، من فقه الضرورة الذي نما فى ظلال الحكومات الأموية والعباسية والمملوكية، الذي أخل إخلالا كبيرا بحقوق الإنسان وحقوق المتهم والسجين.

من أجل ذلك جاءت المعايير الدولية لتنص على مفهوم محدد لعلانية المحاكمات العلنية، لا مجال فيه للاجتهاد والتدليس، فكلما كانت القضية عامة أو سياسية كلما كانت العلنية ضرورية. فحتى قتلة السادات في مصر، والمتهمين في اليمن بتدمير (كول)ظفروا بمحاكمة علنية.

في الخصومات العادية يستطيع أي قوي ظالم أن يزيف أدلة وشهودا على غريمه،فيسلبه أرضه أو ماله أو يدخله السجن، ومن المفترض في السلطان أن لا يستخدم سلطته في فبركة التهم وهذا هو الأصل، ولكن باب الاحتراس ينبغي أن نحتاط له، ومن سبل الاحتياط؛ حضور الجمهور، لكي لايكون التعتيم طريقا إلى التشويه والتحجيم.

 إن القضاء النزيه، لا ينحصر تقرير العدالة فيه على  ضمير القاضي، ونزاهته، فهذه مسألة مهمة، ولكن الضمير وحده لا يكفي، فالسرية من مداخل الضغط على رؤوسهم، ومن مداخل التدليس على ما يجري في عنابر السجون والبوليس، ونحن -ولا سيما أثناء محاكمة دعاة العدل والشورى والحقوق الثلاثة-قد ترددنا على السجون و المحكمة، وعرفنا غرف المحاكمات السرية، وأسماء المدلسين عليها وأبطالها، فهل يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟.

 5=دعاة الحقوق والمحتسبون –على العموم -مستهدفون بالتشويه والتلفيق:

 نحسب هذه المحاكمة ستكون من أشهر  المحاكمات في القصيم ، في قضية من قضايا الاحتساب على السلطان في باب الأمر بالعروف والنهي عن المنكر، في مجالات العدل والشورى وحقوق الإنسان, لفردين من تيار المطالبة السلمية بشرطي البيعة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي ضامنها الدستور والمجتمع المدني.

هؤلاء -وفقنا الله وإياكم- معرضون للتشويه والطعن من الخواصر،وإن وجدوا ما يواسيهم ،في كلمات خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، كشعار المشاركة الشعبية، والحوار الوطني، والرغبة في ضرب هامة الظلم بسيف العدل.

 وما تعلنه القيادة يحتاج من أجهزة الحكومة إلى تعريف موظفيها بالإجراءات العدلية، التي أصدرتها الدولة، لكي لا يتخبطوا حقوق الإنسان والمتهم، ويحتاج من دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان؛ الإصرار على حقوقهم التي قررها النظام، واستعدادهم للدخول في مشروع العدل والشورى، الذي أعلنه الملك: رجل الإصلاح الأول، بالنضال والجهاد السياسي السلمي، ليجتاز الجميع وعثاء طريق صحراوي، حافل بالمشقات والأوحال والانعطاف بين الوهاد والوديان والتلال، ويدفعوا نصيبهم من فاتورة الإصلاح، سجنا وتوقيفا، ومنعا من السفر، وصبرا على مؤذيات التنصت على المهاتفات، ومتابعة بالسيارات،وانتهاكات مستمرة للخصوصية، وترويعا لمن حولهم.

ولكل دوره في الطريق الذي أعلنه الملك: رجل الإصلاح الأول،  بتعاون كل السائرين في طريق العدل والشورى والحقوق، الذين يحافظون على البيعة على الكتاب والسنة، بصفتها عقدا يتواصون بشرطيه: العدل والشورى، في الإطار الرسمي والشعبي معا،. وننتظر أن يدرك إخواننا ثقل التبعة و الأمانة، وأن  لكل دورا ينتظره.

والمطالبة السلمية بشرطي البيعة الشرعية؛ على الكتاب والسنة؛ هي عند الحديث عن المبادئ(الإجرائية): العدل والشورى وحقوق الإنسان، وعند الحديث عن الوسائل: الدستور والمجتمع المدني.

وبهذا يتضح-وفقنا الله وإياكم-  أن أعضاء جمعيات حقوق الإنسان من المجاهدين المحتسبين، الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر باللسان.

ولأنهم أكثر من غيرهم عرضة للتوقيف والأذى والتشويه في أغلب الدول العربية ،

ومن أجل ذلك يصرون على علانية المحاكمات، لأنها هي القانون الفعال الذي يحد من تجاوزات الذين ينتهكون حقوق الإنسان، كالتوقيف المتعسف، والإيقاف دون محاكمة، والتعهدات الظالمة والمنع من السفر و من المضايقات الظاهرة والباطنة التي يتعرض لها الآمرون بالمعروف عموما والعدل والشورى وحقوق الناس خصوصا.

وهي من ما يحمي الأفراد العزل , من احتمالات بطش الأدوات الجارحة القامعة، في أي مرفق من مرافق الحكومة.

 ففي نزاع بين فلاحين على أرض، أو لأسرتين على أمر زواج، قد ينحصر الحضور بالأقارب والجيران، وقد يكون للسرية دواعيها، أما عندما تكون التهم بين طرفين غير متماثلين،  وفي الشأن العام، فإن السرية تكون لمصلحة القوي

 إن علانية المحاكمة هي إحدى مفردات استقلال القضاء المهمة، ولها في سياق أولويات الحكم الدستوري  قدر كبير ، يسبق أهمية الانتخابات البلدية ، لأنها من عوامل صيانة الحقوق في تلك الانتخابات من التزييف. 

 إن إدراك السائرين على خط الإصلاح الذي أعلنه الملك و ولي عهده رسميا وشعبيا لهذه الأهمية، يعني التواصي بالإصرار على المسار، لكي لا يلتف معوقو الإصلاح على الإصلاح، عبر الدسائس والتلفيقات. ودعاة حقوق الإنسان والمحتسبون، عرضة لأساليب من تحت الكواليس، لإشغال دعاة الإصلاح بأنفسهم أو بذويهم.

ولأن غير المستبصرين في الأجهزة الأمنية التي ظلت تمارس انتهاكات حقوق الإنسان؛ أكثر من ثلاثين عاما، لن يتقبلوا فكرة القضاء العلني، الذي يقود المحاسبة القضائية، ومن أجل ذلك قد يعمدون  إلى فبركة التهم في قضايا جانبية، على دعاة فتح ملف حقوق الإنسان.

 فهم عرضة للدسائس والكيد والطعن من الخاصرة، لأن الخلاف الأساس إنما هو بينهم وبين من لا يبالون بشرطي البيعة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من موظفي الحكومة، حول صلاحيات الحكومة نفسها، وحول مطالباتهم معايير استقلال القضاء، وحول مطالبتهم بإصدار نظام فعال للجمعيات الأهلية.

وعلانية المحاكمات هي إحدى أهم أدواتهم ، لكشف التجاوزات والتلفيقات والدسائس، فإذا فرطوا فيها انفتحت عليهم أبواب التهم الملقاة على عواهنها، من وحضور الجمهور يقلل من فرص التلفيق، ويسهم في تكوين الرأي العام المستنير.

إن الكارهين لفتح ملفات حقوق الإنسان؛ لا يريدون أن تستقر العلانية قاعدة مرعية، في أي خصومة بين الأفراد العزل والحكومة، والقضاة من من فرط في ذلك في مامضى، وينبغي أن يعزم الجميع على الالتزام بحقوق الناس في ماأتى, لكي نستغفر الله عن ما مضى، من التفريط بحقوق العباد والبلاد، لا سيما ما مضى من انتهاكات حقوق الإنسان والمتهم والمسجون، و تعذيب النفوس والأجساد، وأحكام القضاء القاسية، و إقرار التعذيب أو التدليس عليه وقمع سجناء الرأي والتعبير المشروع، خلال أكثر من سبعين عاماً، من محاكمات سرية، هي مظنة الظلم والجور، لأنها لم تكن علانية.

لقد انكشفت للرأي العام عالميا وإسلاميا وعربيا ومحليا، من خلال أحكام القضاء القاسية بسجن دعاة الدستور الثلاثة،مابين ست وتسع سنوات، أن بعض القضاة يجرم مايدور حكمه في الشريعة، بين الوجوب والاستحباب، فصار القضاء الشرعي شريكا في تجريم المحتسبين وقمعهم .

ماذا بعد ماثبت للرأي العام، أن بعض القضاة، يسيء إلى القضاء، فيصدر عقوبات قاسية، على ما يدور حكمه في الشريعة بين الوجوب والاستحباب، ولا سيما بعد محاكمة الإصلاحيين الثلاثة؟، إن لدينا معلومات تشير إلى أن الكارهين لفتح ملفات حقوق الإنسان؛ وكشف الممارسات القمعية والتعذيب، يتوسعون الآن في تلفيق تهم دعم الإرهاب، على تيار العدل والشورى والحقوق، لمزيد من التهم الجنائية الملفقة، لا سيما دعم العنف، لغايات خارجية وداخلية في نفس يعقوب، لا تخفى على اللبيب.

وعلانية المحاكمة-إذن- إحدى وسائل كبح التمادي في تلفيق التهم.

 6=بعض القضاة يجعل المحاكمة السرية قاعدة والعلانية استثناء في كل خصومة  بين الأفراد والحكومة:

نظام القضاء السعودي ينص على علانية المحاكمات، فالسرية استثناء في حالات خاصة محددة في النظام، لكن واقع الحال أن الاستثناء صار هو القاعدة، أغلب القضاة السعوديين لا يرتاحون لحضور الجمهور، وبعضهم يغلقون الأبواب من دون أن يكون في الجلسة ما يستدعي السرية، ويأمرون الحاضرين بالخروج طوعا أو كرها، وأوضح ما يكون ذلك في القضايا السياسية، التي جرت العادة في الدول التي تعلن الدستور ولو ظاهريا، أن يحظر المحاكمة الجمهور وأهل الإعلام والمحامون.

إن انتهاج القضاة السرية طابع صار مألوفا، وهو عادة درج عليها القضاة، إن من الواضح أن لدى القضاة ميلا إلى السرية، وإغلاق الأبواب، وهذا –إذا نظر إليه إحصائيا-صارت محصلته قلب القاعدة، فصارت السرية هي الأصل، والعلانية هي الاستثناء. وتغيير هذه العوائد السائدة؛ يحتاج إلى مطالبة،لأن العوائد الجارية على السرية في المحاكم، عادات تضر بسير العدالة ونزاهة الأحكام.

 وهناك عديد من القانونيين والقضاة يتحدثون عن حق القاضي في أي قضاء في استثناء المحاكمة من العلانية، ولكن هؤلاء لا يدركون أن الاستثناء صار هو القاعدة.

7=فقدان عناصر اسقلال القضاء الأساسية في القضاء السعودي تجعل الالتزام بالعلانية أكثر أهمية:

 وهناك عديد من القانونيين والقضاة يتحدثون عن حق القاضي في أي قضاء في استثناء المحاكمة من العلانية، غير مدركين التجاوزات الكبرى في القضاء السعودي فيقفون على الجزئيات، ويقولون: نصت الأنظمة في جميع الدول، على أن من حق القاضي، أن يستثنى قضية مثل قضيتنا من العلانية، وهذا قياس مع الفارق، ففي القضاء السعودي قواعد فضفاضة، تجعل الاستثناء تفريطاً بحقوق المواطنين عامة والسياسية خاصة، وتجعل العلانية هي الإجراء الذي يبين ما يمكن أن يحد من تفريط بحقوق المتهمين.

أولها: أن بعض القضاة يرون أن "ولي الأمر أدرى بالمصلحة"، ومقتضى ذلك أن القضاء غير مستقل عن ولي الأمر، ولاسيما في الإجراءات، ولا سيما أن البعض اختزل مفهوم ولي الأمر بالأجهزة الأمنية، في وزارة الداخلية، وما لها من سلطة  على القضاء. أنهم يعتقدون أن وزارة الداخلية، أدرى من الجميع بما يصلح الناس، ولذلك يطلقون عليه مصطلح (ولي الأمر)، ويثبتون هاتين الفكرتين من خلال مقولتهم الشهيرة "ولي الأمر أدرى بالمصلحة".

 فإذا كانت الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية أدرى بالمصلحة، فدور القضاة إذن هو إصدار تعليل وتسبيب لما أصدرته الداخلية. فالمحاكمة السرية إذن ليست بمثابة الاتجاه إلى حقل ذي ألغام فحسب، بل هي تحصيل حاصل، ومن أجل ذلك فإن العلانية تكشف عن مدى سلامة القضاة من الارتهان لهذه النظريات المخلة بمفهوم البيعة على الكتاب والسنة، التي تقرر-دون غبش-أن الحكومة وكيلة عن الناس لا عليهم.

ثانيهما: أن بعض القضاة يرون أن ولي الأمر هو القاضي، الأصيل، وليس قضاة المحاكم إلا وكلاء، وحاصل ذلك أن القضاء ليس سلطة مستقلة . وأن عبارة القضاة مستقلون الواردة في نظام القضاة، تشير إلى استقلال القضاة بصفتهم أشخاصاً، ولا تضمن استقلال القضاء بصفته مؤسسة وسلطة. ومقتضى ذلك أن المسؤولين الذين شجبونا في الإعلام، هم القاضي الأصيل، الذي يستطيع تحديد أن هذا الفعل أوذاك جريمة، وتغليظ العقوبة أو تخفيفها.

وما دام بعض القضاة يعتقدون أن دورهم في القضاء هو دور الوكيل، وأن القاضي الأصيل هو (ولي الأمر)، وولي الأمر –وزارة الداخلية-هو الذي أمر باعتقالنا، ولم يطلقنا إلا بكفالة، فكيف ينصفنا القاضي الوكيل، ما دام القاضي الأصيل، هو الآمر بتوقيفنا ؟

والعلانية إذن هي أقل الحقوق التي ندافع بها عن أنفسنا، لكي ننجو من احتمالات قسوة الأحكام، والتشويه في الإعلام، والتفريط بالحقوق.

ثالثها: إن القضاء السعودي يخول القاضي وضع القاعدة القضائية للجريمة  والعقاب معا، ثم تطبيق الوقائع عليها أيضا. فليس في القضاء السعودي مدونة تحدد الفعل المجرم (الجريمة) ولا (العقوبة) ولا سيما في قضايا المجتمع المدني، ومجال الرأي والتعبير والتصرف، فلا مسطرة واضحة لوصف ما يمكن اعتباره جريمة أو جنحة، وفوق ذلك ليس فيه سلم لعقوبات التعزير، لإن قاعدة التعزير فضفاضة، فالتعزير يمتد من ضربة بالسوط إلى ضربه بالسيف.

رابعها: أن بند التعزير، يجعل القاضي يمارس سلطة واسعة في التشريع والقضاء معاً، وهذا مزلق خطير، يؤدي إلى التفريط بحقوق الناس، ولاسيما عندما يكون الحكم هو الخصم، لأنه يجعل اجتهاد القاضي من دون مسطرة، من ضربة السيف إلى ضربة السوط.

خامسها: ثقافة القضاة (من خلال معرفتنا بما يدرس في كليات الشريعة والمعهد العالي للقضاء) ليس فيها ما يكفي حول (حقوق الإنسان) سياسية ومدنية وثقافية واقتصادية، فضلا عن الدستور والمجتمع المدني، بل ولا ما يكفي حول (حقوق المتهم)، فضلا عن حقوق الموقوف والمسجون، والعدالة معنى كلي، عندما يجزأ نتفا، من دون رؤية شاملة، يمكن ارتكاب أقسى الفظائع باسم العدالة. وكلها تؤكد أن القضاء السعودي غير مستقل، وأمام هذه المجاهل الأربع كيف يمكن تبرير استثناء أي محاكمة سياسية من مبدأ العلانية.

 وأن الأمور الخمسة السابقة، لا تدل على أن المحاكمة السرية لا تفضي إلى الإنصاف فحسب، بل إلى أن مصاد الرياح عن استقلال القضاء أرق من الهباء.

 وأمثال هذه التطبيقات والممارسات الخاطئة (المفصلة في كتاب:استقلال القضاء السعودي، عوائقه وسبل تعزيزه)؛ تشوه صورة النظام القضائي، والأحكام العدلية، وتتعرض لنقد لاذع من المنظمات الحقوقية المستقلة، تجدون وفقكم الله نموذجا لهذا النقد.

إن هذا النموذج يكشف لكم ما لانتهاك المعايير الشرعية، لاستقلال القضاء، من إضرار بحقوق العباد، وتشويه لمفهوم العدالة الإسلامية، وتشويه للقضاء الشرعي، وإضرار بسمعة البلاد.

ومن أجل ذلك كان حرص تيار العدل والشورى وحقوق الإنسان ، على المطالبة بالشفافية والعلانية، باعتبارها أول علامة على الحفاظ على قيم النزاهة والعدالة، وعلى المطالبة بالسماح للرأي العام، بالرقابة على مجريات التوقيف والاتهام والتقاضي، حفاظا له عن الأهواء والتدخلات.

8= علانية المحاكمة بوابة كشف سريات السجون:

وهناك براهين وشهادات حية، تدل على أن المحاكمات العلانية هي الباب الذي ينبغي فتحه على مصراعيه؛ للحيلولة دون الانتهاك المنهجي الصارخ لحقوق المتهمين والمساجين.

ففي ظلال السرية -وفقنا الله وإياكم- لا يستطيع القضاء من القيام بوظيفته الواجبة؛ التأكد من ظروف المسجون استظهارا (توقيفا)، و لا أن يتأكد من المواصفات الشرعية لـ(السجن) سواءاً كان عقوبةً أم استظهارا ( توقيفا ) على التهمة. ولا يستطيع القضاء أن يراقب مدى توافر  شروط السجن  الشرعي التي تنص على أن السجون  وظيفتها إنما هي (التعويق) عن الحركة، كما قرر الإسلام قبل أربعة عشر قرناً من تنادي الأمم الحديثة إلى ذلك وليست (التضيق) الذي ألفته سجون وزارة الداخلية، الذي يضير العقول والنفوس والأجسام . فلا يمكنها ان يتأكد من أن السجون في وظيفتها أو طبيعتها ، لا تتجاوز (التعويق) عن الحركة، إلى (التضييق) على الأجسام والعقول والنفوس، و لكي تتأكد من أن كل مسجون، استظهاراً (توقيفاً) يعطى حقوقه، و لاسيما حقه  في توكيل محام.

وسرية المحاكمة مدخل إلى إهمال ماهو أهم و أخطر، وهو ضمان صحة الاعتراف، وخلوه من ما يخل بالرضا أو الاختيار أوهما معا. ولا سيما أن المتهم يأتي إلى المحكمة, مقيداً أو طليقا وهو في هيئة يونس عليه السلام ، عندما خرج من بطن الحوت لا حول له ولا قوة .

 وفي ظلال المحاكمات السرية؛ ليس هناك ما يضمن على تحرر القضاء من ضغوط السلطة التنفيذية، ولا صحة الاعترافات، ولا ما يقلل من تمادي الأجهزة البوليسية، في إطلاق التهم جزافا وتلفيقها، ولا ما يقلل من هيمنة الأجهزة الأمنية، والتدليس على التعذيب، ولا من تعهدات الإكراه الجائرة، التي تختم بختم (المحكمة الشرعية)،لكنها غير شرعية في الحقيقة ، لأنها تخالف المباديء الشرعية للمحاكمة العادلة.وبالمحاكمات السرية يصبح القضاء من أدوات انتهاك حقوق وكرامة الإنسان0

والقضاء يفرط بحقوق الناس عندما يحاكم المتهم محاكمة سرية لا يحضرها، إلا رجال المباحث، والباب موصد بإحكام، وقد اطمأن رجال المباحث إلى أن المتهم لن ينبس ببنت شفة، عن مدى صحة الاعتراف، إذ وقعوه على إقرار بأن لا يتحدث عن ظروف اعتقاله، ولا عن ما يحتمل أن يمر به من تعذيب نفسي أو جسدي، هذا الذي يحدث في أحوال كثيرة، وإن أخبر المتهمون القاضي بتعذيبهم؛ تقوم المباحث بالضغط عليهم عبر إطالة مدة الحبس ، أو تعذيبهم مرة أخرى، حتى يعودوا  إلى القاضي مستسلمين ، مقرين بأن اعترافهم جاء طوعاً لا كرهاً، وبأنهم أخطأوا في حق أنفسهم، وحق " ولي الأمر".

ومن أجل ذلك فإن التزام المحاكم في جميع مدن المملكة بالامتناع عن إقامة أي محاكمة سياسية، له تداعيات عدلية مهمة، لأنه يفضي التزام قضاة المحاكم في كل مدن المملكة، برفض كل تحقيق مع أي سجين، إذا وقع التحقيق من دون محام، وإلى رفض كل اعتراف ناتج عن سجون التعذيب والتضييق.لأن المحامي حق للمتهم, كما نص نظام الإجراءات الجزائية (المادة4، 6)

إن العلانية هي أبسط إجراء، يجعل الجمهور شاهداً يساعد القضاء على الالتزام بالعدالة، ويحميهم من الهوى والتدخلات ، وإن استثناء المحاكمات السياسية، من العلانية، هو أكبر علامة على هشاشة استقلال القضاء، لإن كثيراً من السجناء معرضون للاضطهاد في أروقة البوليس، ولأن يقوم القضاء بالتدليس.

 9=تجربة دعاة الدستور الثلاثة مع المحاكمة السرية:

 إن الوقائع التي جرت لمحاكمة دعاة العدل والشورى وحقوق الإنسان الثلاثة قبل عامين؛ برهنت على أن القبول بسرية المحاكمة؛ باب يفضي إلى انتهاك سائر الحقوق، تدل على أن المحاكم من خلال رئيسها و من خلال القضاة، قد تتواطأ على الالتفاف على مفهوم العلانية بأساليب ملتوية، عبر إذنها بحضور بعض الأقارب، وتجاهلت أن لمفهوم العلانية معايير مقررة في الشريعة لا بد منها لتحقيق النزاهة، فإن المهتمين هم المعنيون بمراقبة القضاء. ليسوا محصورين بالأقارب والأصدقاء.وأن هذه المعايير معروفة في الدول الشورية. وشرطها  الأساس أن يحضرها شهود الله في أرضه، وهم أهل الإعلام والصحافة، ودعاة حقوق الإنسان والمحامون والمهتمون بالشأن العام، ونحن لا نعتقد أن تقرير السرية أو محاولة الالتفاف على مفهوم العلانية، وقعت بتدبير قضاة المحكمة وحدهم، بل ثمة تدخلات من وزارة الداخلية.

 وعندما اطمأن قضاة الهيئة إلى أن المحاكمة لن تكون إلا سرية، أجبرونا بقوة السلاح على الدخول إلى قاعة المحاكمة السرية فامتنعنا، ورفضنا الكلام، وتفوه أحدهم علينا بكلمات وتصرفات، تخرج عن آداب القاضي، وتطعن في نزاهته، وتوعدنا، بطحن الحـب الذي في رؤسنا، قبل أن يسمع دفوعنا؟.وأهملت المباحث في علاجنا، وضيقت علينا، وصادرت دفوعنا، وضيقت على محامينا، وعندما كانت إجراءات المحاكمة علانية، كان القضاء والجمهور عونا لنا، عندما نشكوا، أما عندما صارت سرية، صار يقول:لاعلاقة لي بما يجري لكم خارج القاعة!!.

10=ارتباط هيئة الادعاء والتحقيق بوزير الداخلية؛ يشكك في نزاهتها القضائية.

 الأصل في المدعي العام أن صفته قضائية، وأن من صميم مهام أعضاء النيابة العامة في كل دولة ؛ احترامهم لمبادئ العدل، لأن ذلك يسهم في إقامة عدالة جنائية منصفة، وفي وقاية المواطنين من الجريمة بصورة فعالة، هي أن القوانين العادلة في كل أمة؛ حيث إن من أهم وظائفها، احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للمواطنين، وتطبيق مبدأ افتراض البراءة الأصلية، والمساواة أمام القانون، وأعضاؤها أطراف أساسيون، في إقامة العدل، والحفاظ على شرف المهنة وكرامتها، بصفتهم ممثلين للصالح العام، فواجبهم حماية المصلحة العامة، والتصرف بموضوعية أمام  المتهم والضحية.

ومن واجبهم امتناعهم عن بدء الملاحقة القضائية أو مواصلتها عندما لا يكون للتهمة أساس.

ومن واجبها ضمان محاكمة عادلة وعلنية، أمام محكمة نزيهة ومستقلة.لها اجراءات وضمانات، تمنع تجاوزات السلطة التنفيذية.

ومن واجبهم الاهتمام بكافة الظروف، سواءا أكانت لصالح المتهم أو ضده، وضمان إبلاغ الضحايا بحقوقهم عملا بمبادئ العدل الأساسية، المتعلقة بضحايا الإجرام والتعسف في استعمال السلطة.     

 ومن واجبهم الاهتمام بالملاحقات القضائية، المتصلة بالجرائم، التي يرتكبها موظفون عموميون، ولا سيما ما يتعلق منها بالفساد وإساءة استعمال السلطة، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

 ومن واجبهم رفض الأدلة إذا كانت وسائل الحصول عليها بوسائل غير مشروعة،وخصوصا التعذيب والمعاملة القاسية، ومن من صمييم مهمتهم رفض هذه الأدلة، أو إخطار المحاكم بها، واتخاذ كافة التدابير، لتقديم الحاصلين على الأدلة والمستخدمين لها إلى العدالة.

 هذه الأمور من صميم واجباتهم المهنية، التي وقعت الدولة على وثائقها، في الجمعية العامة للأمم المتحدة،(كما في وثيقة مؤتمر الأمم المتحدة الثامن، لمنع الجريمة، ومعاملة المجرمين:27من أغسطس إلى 6/سبتمبر 1990م، التي تضمنت مبادئ توجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة).

ولو كانت لهيئة الادعاء والتحقيق، صفة النيابة العامة، التي تجسد الصالح العام؛ لكان الأولى بها- بعد اعتصام نساء بريدة الأول فضلا عن الثاني- أن تركز على الأمور الأساسية، التي أثارها الاعتصام والاعتقال:

أ-التحقيق في المعلومات المتواترة عن انتهاكات حقوق الإنسان والمتهم ولا سيما المسجون والتعذيب على الخصوص، فهي الباعث الأساس لكل ماجرى.

ب-طلب محاسبة رجال الأمن على تجاوز الصلاحيات ,حينما لم يستصدروا أمرا منها بالتفتيش والضبط، وعندما خالفوا النظام في إبعاد الوكيل عن محضر التفتيش.

ج- محاسبة الأجهزة الأمنية، لأن اعتقالنا تعسفي، لاسيما وهي تعرف أننا من أحرص الناس على الأمن ورجاله، وذلك لم يثبت علينا منذ بداية اعتقالاتنا سنة 1413هـ اننا احتككنا مع أي شخص منهم بل كنا نمتثل للأوامر الصادرة فكيف نتتحرش بهم في هذا المكان ولا في غيره كما أننا  لم تتدخل في عملهم بل طلب منهم إبراز الأذن في التفتيش وهذا حقنا الطبيعي المحفوظ لنا في الشريعة الأسلامية والأنظمة المحلية والأعراف والمواثيق الدولية.

د-تعزيز رقابة السجون والتحقيق في الأوضاع المأساوية، في دور التوقيف والسجون، ولا سيما الوفاة والجنون وإدمان المخدرات.وفتح ملف حقوق المساجين، وانتهاكات لحقوق الإنسان، التي أريناها وحدثناها عن نماذجها، في دور التوقيف في الشرطة، وتوقيف مركز شرطة بريدة الجنوبي والشمالي أيضا

فما يحدث في السجون أمر مخالف لمفهوم الدولة القائمة على البيعة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، التي نص عليها النظام الأساسي للحكم.

ومع تقديرنا لما وجدناه في الفضلاء فيها من فضل، فإننا ندرك أنهم لن يعطونا حقنا، ولن يطالبوا لنا بالعلانية، مع أنهم أولى الناس بذلك، فقد سكت ممثل الهيئة، عندما أثرنا النقطة، وهذا يدل على أنهم، لن يستطيعوا-مهما كان لهم من الكفاية والنزاهة الشخصية، إلا أن يكونوا القفاز الحريري ليد وزارة الداخلية الحديدية،ويكاد ينحصر دورهم في تأمين واجهة حقوقية، لتجاوزات وزارة الداخلية. مالم تحصل على  استقلالها وينفك ارتباطها، بوزارة الداخلية.

فعلانية المحاكمة هي النور الذي يلوح للمتهمين، لكي لا ينطحنوا بين سندان سريتها ومطرقة سرية القضاء.

10=هل الأنظمة هي مرجعية مفهوم العدل أم أن العدل هو مرجعية الأنظمة؟:

 الأصل في مشروعية أي نظام وقانون أن يكون عادلا، فمن هو المخول بتقرير أن هذا النظام أو القانون عادل، هل هم القضاة أم الحكام أم الفقهاء؟، ما المسطرة التي تحد من الخراص.

الأمة هي المرجعية كما نص النيسابوري والرازي وابن تيمية ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، وسائر فقهاء السياسة الشرعية، في تفسير آيتي أولي الأمر في سورة النساء.

فمن يبلور ويقنطر مرجعية الأمة في حفظ مقاصد الشريعة، إلا (عرفاء) الأمة، المنتخبون من أهل العقل والفضل والخبرة، الذين يقدمهم الناس، ليكونوا أهل العقد والحل. وكل نظام لم يقرره مجلس نواب يمثل الأمة، من أهل الحل والعقد، فلا ضمان على أنه عادل، يراعي مصالح الناس.

 من أجل ذلك نعتبر أن إيثار السرية على العلانية؛ لايكون إلا لدواع تجعل الاستثناء أقوى من القاعدة، لأن صلاحية القضاة في نظام خولهم حق تحويلها إلى سرية، مرتبطة بالمشروعية، وفق النقاط التالية

الأول: الأصل في المحاكمة الشرعية أن تكون علنية، وقد نص نظام الإجراءات الجزائية، على أن السرية استثناء، والاستثناء أمر إجرائي فهو مجال اجتهاد لا يخل بقاعدة العلنية إلا بما هو أقوى اعتباراً منها، فهو مثل صرف النص عن ظاهره وتأويله، لا يكون إلا بقرينة تجعل البعيد المرجوح، أقوى من المعنى القريب الظاهر الراجح. لأن سلطة القاضي في الاستثناء ليست من دون معايير وضوابط، وأساسها مصلحة الخصوم، ولاسيما الطرف الأعزل.

ولو قال قائل إن المحاذير التى يخافها المدعي عليه من المحاكمة السرية إنماهي أوهام، وإن ثمة مفاسد تترتتب على العلانية، أقوى من المصالح، لكان كمن يقول:إن هناك مبررات لسرية الزواج، أقوى من قاعدة إعلانه،فهل هناك مبررات، تجعل رقابة الأمة على القضاة-في هذه القضية حصرا- غير حميدة، وهل هناك دليل على أن القضاء قادر على حماية استقلاله، حتى في المحاكمات السرية.وسلطة القاضي في تحويل العلنية إلى سرية ليست مطلقة، بل منوطة بالمصلحة.

الثاني: في تحويلها إلى سرية إخلال بقاعدة تساوي الخصمين أمام القاضي، فقد نشرت أدوات الإعلام الحكومي التهمة في وسائل الإعلام الداخلية والخارجية، ولا زالت تواصل تبني وجهة نظر الخصم، فكأن المدعي قد ألقى دعواه في جلسة علنية، فكيف عندما يحين  وقت تقديم فحص الأدلة ودفوع المتهمين تصبح سرية، ولماذا لم تؤجل وزارة الداخلية الاتهام والتشويش، على الرأي العام عموما، والقضاء خصوصا، حتى يقرر القضاء، مقتضى ذلك أن  لا يعرف الناس ردنا، وهذا تفريق بين متماثلين، في المركز القضائي.

الثالث: أن تدخل المباحث الظاهر والخفي؛ في المحكمة يعطي انطباعا، بأن القضاء لا يستطيع ضبط آداب التقاضي من دونها، وهناك لغط كثير عن أن  المباحث هي التي تقرر سرية الجلسات، ولا سيما في القضايا ، التي تحتوى على انتهاك منها لحقوق الإنسان.

وحضور رجال المباحث؛ لتسجيل أسماء الداخلين، مكتب القاضي، في كراس عليه شعار الأجهزة الأمنية-لا شعار القضاء- يوحي بذلك.

الرابع: عندما تكون الخصومة بين الأفراد العزل والحكومة، فإن "العلانية أول إجراء يدل على السير في طريق عدالة المحاكمة، وكل محاكمة غير علنية فإنها هي مدخل من مداخل انتهاك العدالة، فجميع المحاكمات القاسية والظالمة –طوال تاريخ البشرية-كانت سرية، فثمة علاقة بين السرية والظلم وعلاقة بيين العلانية والعدل.

الخامس: أن المادة (155) من نظام الاجراءات الجزائية الذي اعتمد عليها القاضي في استثناء المحاكمة من قاعدة المحاكمة العلنية إلى السرية؛ قد اشترطت أن لايلجأ إلى السرية، إلا لتحقيق إحدى المصالح الثلاث الآتية:

أ-مراعاة الأمن.

ب-المحافظة على الآداب العامة.

ج-أن تكون السرية ضرورية لظهور الحقيقة.

ونصها (يجوز للمحكمة استتثناءَ ان تنظر الدعوى كلها و بعضها في جلسات سرية او منع فئات معينة من الحضور فيها مراعاة للامن او محافظة على الاداب العامة او اذا كان ضرورياً لظهور الحقيقة).وقد حدد نظام المرافعات-والموجه أصلاَ للقضاة- حالات الاستثناء من علانية المحاكمة بقوله(تكون المرافعة علنية الا اذا رأى القاضي – من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب أحد الخصوم - اجراءها سراَ, محافظة على النظام او مراعاة للاداب العامة او لحرمة الاسرة (المادة الستون من نظام المرافعات الشرعية).

السادس: ولو افترضنا أن النظام خول القاضي الاستثناء بصورة قطعية، لكانت  السرية نوعا من التعسف في استخدام القانون، فوجود نص يسمح بذلك (الاستثناء) ، إنما يسمح به حفظا للعدالة، وما ذكرنا من تسبيب يوضح أن الاستثناء يخالف قاعدة العدالة، فالقاعدة هي العدالة، وكل قانون أو إجراء لايحافظ على العدالة، لامشروعية له.

لكل ما تقدم من المبررات، ولغيرها من ما لايخفى، نتقدم إلى فضيلتكم ، بهذا الالتماس، وفي انتظار كريم تجاوبكم، وقراركم علانية محاكمتنا، والله الموفق للسداد، وصدق الله العظيم (يا داود أنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله) وفقكم الله ورعاكم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عبدالله وعيسى الحامد

‏03‏/09‏/1428(‏15‏/09‏/2007 )

عودة

 

الصفحة الرئيسية

خاص بقضية تيسير علوني

رواق الدكتور هيثم مناع

انتهاكات حقوق الإنسان

انتهاكات حقوق الصحفيين

انتهاكات حرية التعبير

انتهاكات حقوق العمل الخيري

الحقوق المدنية في سورية

قضــايا الخــليج العـــربي

قضــايا لـبنانـــية

قضــايا فلسطينية

قضــايا عــراقــيـة

مقالات وأخبار عامة

تقــاريــر ودراسـات

بيــانات عامــــة

حملات تـــضامــن

أقلام حرة - أدبيات

مكـــتبة فنيـــة

مواقع ذات صلة

 

 

 

 

 

 

alonysolidarity@wanadoo.fr