كفاكم خداعا وحاربوا الإرهاب |
|
تيسير علوني |
|
اختلفت الآراء في بريطانيا وخارجها على أحقية وصلاحية رئيس الحكومة البريطانية توني بلير في اتخاذ مجموعة إجراءاته الجديدة التي أعلن عنها مؤخرا لمكافحة ما يسميه بالإرهاب، ف"الوطنيون الأحرار" وبعض نواب حزب العمال والشخصيات الليبرالية وقسم من معلقي الصحف وجميع المدافعين عن حقوق الإنسان عارضوا هذه الإجراءات انطلاقا من الثوابت المميزة للسياسة البريطانية، بينما وقف في الصف الآخر بقية نواب حزب العمال والنواب المحافظين وصحف اليمين واليمين المتطرف وهللوا لإجراءات بلير التي حلموا بها طويلا ولكنهم لم يتجرؤوا على تطبيقها من قبل خصوصا من كان منهم في سدة الحكم. على الجانب العربي والإسلامي ارتفعت بعض الأصوات مطالبة بتقييد هذه الإجراءات أو إلغائها من الأساس ولكنها أصوات يميزها الضعف المزمن للجاليات العربية والمسلمة في الغرب عموما، بينما هلل لها بعض معلقي الصحف العربية ووجدوا فيها فرصة لكيل مزيد من الشتائم لمن يرون فيهم إرهابيين أو محرضين على الإرهاب، ولعل هذه هي البضاعة الرئيسية لكثير من الصحف العربية. أما الشروط التي وضعتها بريطانيا لتنفيذ بعض الإجراءات من قبيل تسليم المطلوبين لبلادهم التي يمارس فيها التعذيب وتنتهك فيها حقوق الإنسان جهارا نهارا فتمثلت في عقد بريطانيا اتفاقات تتعهد فيها هذه الدول باحترام الحقوق الإنسانية والضمانات القانونية للذين سيجري تسليمهم، ولعل أفضل وصف لهذه الاتفاقات هو ما جاء على لسان الناطقة باسم منظمة العفو الدولية من أنها لا تساوي قيمة الورق الذي كتبت عليه، والملفت للنظر هو أن المطلوب تسليمهم كلهم من العرب بينما كان منفذو اعتداءات لندن من غير العرب ولم يثبت حتى الآن أن عربيا قام بفعل يهدد أمن بريطانيا داخل بريطانيا، مما يوحي بأن هناك عملية تصفية حسابات مبيتة كان يردعها نفاق الحكومة البريطانية وادعاؤها حماية حقوق الإنسان. قد لا يحق لنا أن نناقش بلير في طريقة استخدامه لصلاحياته كرئيس حكومة ولكن للجميع الحق في أن يناقش معه بعض مظاهر النفاق السافر في سياساته وسياسات كثير من الحكومات البريطانية، فأنا أؤيد ويؤيد كثيرون ما ذهب إليه البعض من أن سكوت بريطانيا سابقا على من أصبحت فجأة تعتبرهم محرضين وحمايتها لهم وشمولها لهم ولعائلاتهم بأنظمة الضمان الاجتماعي السخية، كان من باب الاستفادة من وجودهم في الوصول إلى معلومات عنهم وعمن يحيط بهم وكشف اتصالاتهم ولم يكن ذلك حبا في الحرية أو حماية لحقوق المعارضين في معارضة الأنظمة الدكتاتورية في بلدانهم الأصلية وهذا وجه من أوجه النفاق وسياسة اتضح عوارها من خلال فشل أجهزة الأمن البريطانية في الكشف عن اعتداءات لندن في وقت مبكر ومنع وقوعها. قد يحق لبلير، حسب بعض الأبواق الصحفية أن يحمي أمن بلاده بالطريقة التي يراها مناسبة، ولكن يحق للجميع مطالبته بشن حرب حقيقية على ما يسميه إرهابا، وذلك عن طريق البحث عن أسباب هذه الظاهرة ومكافحتها من الجذور وليس من القشور والأعراض كما يجري حاليا وهو أمر طالما تفاداه هو والإدارة الأمريكية لأنه يملي ضرورة وضع تعريف محدد وموحد للإرهاب ، وهو أمر دأبت هذه القوى العظمى على عرقلة بحثه في أروقة الأمم المتحدة لأنه سيدين بداية، ممارسات هذه القوى العظمى نفسها، وسيدين إسرائيل بالطبع وهذا خط أحمر لا أظنهم سيتجرؤون على تجاوزه. الطبيب الجاهل ،أو الغشاش، اعتاد على وصف المسكنات لمرضاه وهذا ليس علاجا بالطبع، بلير وبوش وإدارتيهما اعتمدوا شن الحروب الوقائية والإجراءات الأمنية الوقتية التي تجرف في طريقها الأبرياء وحقوق الإنسان بالدرجة الأولى، وقادة القوى العظمى ليسوا جهلة بل هم من محترفي الغش والخداع لأنهم يعرفون أكثر من غيرهم وعبر إحصاءاتهم الرسمية وغير الرسمية، أن حروبهم وإجراءاتهم زادت المشكلة تعقيدا وغذت هذه الظاهرة بمزيد من الوقود . أما الطبيب الحاذق فأول ما يفعله هو طلب تحاليل للدم وصور شعاعية وكل ما من شأنه تحديد أصل العلة ومن ثم مهاجمته مباشرة للقضاء على العلة بصورة قاطعة وتفادي الآثار الجانبية للأدوية والعقارات المسكنة، وهذا ما تتفادى القوى العظمى فعله لأنه سيلغي أسباب وجودها ومصادر دخلها القائمة على مصادرة حقوق الضعفاء، هم لعمري يعرفون أسباب الظاهرة وجذورها ولا حاجة بهم إلى استشارات وخبرات، ولكنهم يتعامون عنها عمدا . نعم .. لعل من حق بلير، حسب المطبلين والمزمرين لإجراءاته، أن يفعل ما يشاء لحماية بلده، ولكن من حق الجميع أن يطالبه بالكف عن الكذب والادعاء مثلا أنه وحكومته من مناهضي التعذيب بينما يسلم بشرا إلى دول تمارس التعذيب بصورة منهجية ويتغاضى عما تفعله قواته في العراق وغيره من البلدان التي ابتليت "حمى التحرير ونشر الديمقراطية" التي انتابت الإدارة الأمريكية وأذنابها فجأة. لعل من حق بلير أن يعين قضاة استثنائيين للنظر في قضايا الترحيل وأن يمنح هذا الحق لوزارة الداخلية، ولكن من حق الجميع أن يطالبوه بالتوقف عن الادعاء بأنه من حماة دولة القانون التي هو في سبيله للإجهاز عليها. أخيرا .. لعل من حق الجميع في داخل بريطانيا وخارجها أن يقول لبلير وبوش وأذنابهم : كفاكم خداعا وحاربوا الإرهاب . |