حقوق الإنسَان بين الأخلاق و السياسة


  الدكتور عبد الرزاق الدواي ـ جامعة محمد الخامس ـ الرباط

"إن المبادرات المتعددة، التي تمت عبر التاريخ البشري، لنقل القيم الإنسانية الأخلاقية العليا، إلى أرض الواقع السياسي،طموحاً إلى اختبارها و تحقيقها، اصطدمت دائما بالتناقضات الصارخة، و كان مآلها الفشل الذريع... و ما فشلُ أفلاطون، و الطوباويين، و أصحاب المدن الفاضلة تِباعا، سوى أمثلة و عِبَر ناطقة في هذا المجال"

  نقترح في هذه المقالة، التفكير في إشكالية حقوق الإنسان، من منظور علاقتها بالأخلاق و بالسياسة. وسينصب اهتمامنا بشكل خاص، على إثارة بعض القضايا العامة، نفترض أن لها صلة بعناصر هذه الإشكالية.

1.  بداية نقول إن الأخلاق مجموعة من المبادئ والقيم والقواعد العامة، لتوجيه السلوك البشري داخل المجتمع، نحو  تحقيق ما يُعتقد أنه الخير، و تَجَنُّب ما يُنظر إليه على أنه يُجَسِّد الشر. و غاية الأخلاق، هي في نهاية المطاف تحسين العلاقات بين البشر، و إعطاءُ الحياة البشرية معنى يُساعد على الحفاظ على قدر من التماسك الاجتماعي، بالرغم من وجود الفوارق و التناقضات، داخل المجتمعات البشرية وبينها.  

والقيم و المثل الأخلاقية العليا وُجِدَت في جميع المجتمعات البشرية، حتى في تلك التي توصف أحيانا بالبدائية. ولكن هذه القيم لا تُعبِّر عن حقائق موضوعية و كونية، بقدر ما هي دالة على آمال وأماني ومخاوف بشرية، لا شك أنها تختلف في الزمان و المكان. والعديد من المفاهيم الأخلاقية يصعب تفسيرُه و تبريرُه، بدون الإحالة إلى مرجِعِيَّة دينية أو مرجِعِيَّة سياسية. نستشهِدُ هنا برأي للفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل، ورد ضمن  كتابه في الأخلاق والسياسة،  (1946) : "إن القيم الأخلاقية، وخلال التاريخ المكتوب كله، كان لها مصدران مختلفان تماما: أحدهما سياسي والآخر ديني". 

 أمَّا السياسة فَتُعَرَّف بأنها فن إدارة و تدبير الشؤون العامة للدولة و توجيهها؛وأساليبُ قيادة الجماعات البشرية، وتنظيم العلاقات بين الأمم. كما َتُعَرَّف أحيانا بأنها  فن تقنين و تنظيم استعمال و ممارسة السلطة في المجتمعات البشرية. وعلى غرار الأخلاق، فإن للسياسة أيضا قواعدها وقِيَمَها، وهي تتميز عادة بأنها أكثر التصاقا بالواقع. ومهما تعددت واختلفت التعاريف المعطاة لمفهوم السياسة، فهناك مسألة واحدة على الأقل، أصبحت تشكل البداهة بعينها، وقد أبرزها المفكر السياسي الإيطالي مكيافيللي، عندما أكد في كتابه "الأمير"، أن السياسة لا تخرج عن فن إدارة المصالح الذاتية  والجماعية خارج الاعتبارات الأخلاقية والمعيارية.

 بالنسبة لمفهوم "حقوق الإنسان "، نحيل إلى التعريف الوارد في كتاب التربية على حقوق الإنسان، الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1989 : "يمكن تعريف حقوق الإنسان تعريفا عاما بأنها تلك الحقوق المتأصلة في طبيعتنا، والتي لا يمكن بدونها أن نعيش كبشر. فحقوق الإنسان والحُريَّات الأساسية، تتيح لنا أن نُطوِّر و أن نستخدم بشكل كامل، صفاتنا البشرية وذكاءنا ومواهبنا ووعينا؛  وأن نلبي احتياجاتنا الروحية وغيرها من الاحتياجات. و تستند هذه الحقوق إلى سعي الجنس البشري المتزايد، من أجل حياة تتضمن الاحترام و الحماية للكرامة المتأصلة و القيمة الذاتية للإنسان".

2. بين حقوق الإنسان، و الأخلاق و الفلسفة، علاقة وطيدة. تتمثل هذه العلاقة قبل كل شيء في أن الأسس التي بُني عليها صرح حقوق الإنسان، هي أسس  فلسفية وأخلاقية؛ و أن تطوُّرَ الحقوق بصفة عامة، يتم دائما تحت تأثير دوافع أخلاقية، تُعْطى لها في أغلب الأحيان أبعاد كونية. إن حقوق الإنسان هي مبادئ في شكل صيغ،  تُعبِّر عن حاجات بشرية تلتف كلها حول موضوع الكرامة الإنسانية. إنها صوت الضمير الأخلاقي الإنساني، داخل الميدان الاجتماعي و السياسي. و نحن نذهب إلى أبعد من ذلك و نقول، إن التساؤل عن ماهية حقوق الإنسان، و عن الأسس النظرية التي تقوم عليها، و عن مبررات و أسباب الدعوة إلى احترامها، هو في عمقه تساؤل فلسفي. و نضيف إلى ذلك أن الأطروحة القائلة إن الكائن البشري غاية في حد ذاته، يتمتع بالعقل، و بالإرادة،  وبالحرية، ويملك قابلية للتحَسُّن، وله ضمير أخلاقي، وقادر على القيام بالواجب وتحمل المسؤولية، وعنده ميل فطري للتعاون والتضامن مع بني جنسه...؛ هي أطروحة تُوجد في صُلب  الأخلاق وفي صُلب فلسفة حقوق الإنسان. و ليس من باب الصدفة وحدها، أن يكون أغلب الرواد المنادين بالجيل الأول من هذه الحقوق، كانوا من الفلاسفة؛ من فلاسفة عصر النهضة، ومن فلاسفة  القرن السابع عشر، وبصفة خاصة، من فلاسفة عصر الأنوار، الذين قالوا "بالحق الطبيعي"، وبدولة الحق والقانون، وبالنزعة الإنسانية الكونية.

ولا نبتدع جديدا إذن، عندما نُذكِّر بأن الإرهاصات الأولى لحقوق الإنسان، نَبَتَت في حقل الفكر الفلسفي والأخلاقي، قبل أن  تنخرط و تشق طريقها في الشِعاب الوعرة لأرض الواقع السياسي، المثقل بالتناقضات. وأن المبادرات المتعددة، لنقل القيم الأخلاقية العليا إلى أرض الواقع السياسي، طموحاً إلى اختبارها وتحقيقها، اصطدمت دائما بالتناقضات الصارخة، وكان مآلها الفشل الذريع. وما فشل أفلاطون،والطوباويين،وأصحاب المدن الفاضلة تِباعا، سوى أمثلة وعِبَر ناطقة في هذا المجال. حدث ذلك في العصور الماضية، ولا نظن أن عصرنا الحالي سيشذ عن هذه القاعدة.

 إن القيم الأخلاقية عموما، وقيم حقوق الإنسان، عندما تُنقل إلى أرض الواقع الاجتماعي، تُواجه بالفعل، تناقضات بين مضامينها السامية من جهة، ومن جهة ثانية، بين وقائع  وحقائق السياسة في عالم اليوم، التي لا تفتأ تُكَـذِّبُها باستمرار،وتُكَبِّدُهَاهزائم تلو الهزائم. إنها تَواجِه تناقضات فاضحة بين الاعتراف "العالمي" بهذه الحقوق، على المستوى النظري طبعا، وبين تَعَرُّضِها باستمرار، على مستوى الواقع الفعلي،للخرق وللانتهاك في أنحاء عديدة من العالم. 

 إن التناقضات التي تصطَدِم بها قيم حقوق الإنسان، في أرض الواقع الاجتماعي والسياسي، رغم أنها مُحْبِطة ومُخَيِّبة للآمال، تكاد تصبح مألوفة لدى الجميع، وكأنها أحد الثوابت البارزة في علاقة الأخلاق بالسياسة. إن تطبيق القيم الأخلاقية على السياسة، كان ولا يزال عسيرا جدا، إلى درجة غدت معها المبادرات في هذا السبيل،وفي جُلِّ الأحيان، محاولات يائسة لا فائدة تُرجى منها. فالاعتبارات الأخلاقية قلما تجد آذانا صاغية في خضم الصراع السياسي. وفضلا عن ذلك فإن  أغلب الدول المُهيمنة على المجال السياسي في عالم اليوم، وعلى رأسها  تلك التي يُفتَرَض أنها راعية تلك الحقوق،لم يعد لديها أي وازع أخلاقي حقيقي، يحول بينها وبين السعي لتحقيق ما تعتقد أنه مصلحتها الخاصة، على حساب من تعتبرهم أعداءها، مهما كان الثمن.

 إن المصالح الاقتصادية الكبرى، للدول المهيمنة في عالم اليوم،أصبحت وحدها القادرة على الدفاع عن "حقوق الإنسان" في العالم، و القادرة على صناعة الأسباب الكافية و"المشروعة"، لتبرير التصرُّف وفق ما تُسمِّيه الخير العام. وهذا المعطى السياسي العاري، يذكرنا بعبارة أخرى لبرتراند راسل، سابقة لأوانها بالتأكيد، لأنها وردت ضمن مقالة له نشرها في سنة 1946، أي سنتين قبل صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

 " طالما ظل البيض محتفظين بالتفوق سيدعون الناس من الأجناس الأخرى إلى حقوق الإنسان، ويقولون إن جميع البشر متساوون".  

  3. ومن يكون "إنسان حقوق الإنسان" ؟ حقا إنه لسؤال مُحْرج ! في حقبة سابقة  تُوصَف  بأنها إيديولوجية، عمَّ الاعتقاد بأن "إنسان حقوق الإنسان"، يتجَسَّد ويتوَحَّد مع النموذج الثقافي للإنسان الغربي بصفة عامة: الإنسان الفرد، الذكر، الأبيض البشرة، وذو الأصل الأوروبي. وفي ظروف وملابسات تاريخية معينة، أضيفت إلى هذه  الأوصاف عناصر أخرى: "إنسان حقوق الإنسان" هو الإنسان الأوروبي، الأرقى  والأذكى،  والمتفوق، والذي له الحق في نصيب الأسد من الحقوق،ولواستدعى الأمر أن تستثنى من هذه الحقوق وتُقصى، شعوب و ثقافات برمتها، لا تنتمي إلى الحضارة الغربية.

هذا التصورغيرُ المجاني،عن "إنسان حقوق الإنسان"، المُدَعَّم بما يكفي من القرائن التاريخية، يحفزنا على إثارة مزيد من الأسئلة المُحرِجة التي ترتبط بإشكالية حقوق الإنسان، والتي غَدَت كلاسيكية، لكثرة ما تَكرَّر طَرْحُها. نُجْمِلها في ما يلي:

هل يحق لنا القول إن حقوق الإنسان،كما هي منصوص عليها في وثائق الأمم المتحدة، تعبر عن انشغالات ومطالب كونية؟ وهل مفاهيم مثل: الحرية، المساواة، التضامن، المسؤولية، تحمِلُ نفس المعنى عند جميع الشعوب وفي جميع الثقافات؟ وفي عبارة واحدة، هل لمفهوم حقوق الإنسان بُعْدٌ كونيٌّ، أم أن الحقيقة تفرض علينا الإقرار، بأن هذه الحقوق هي نتاج  حضارة خاصة، هي الحضارة الغربية؟ و بخصوص هذا التساؤل الأخير، هناك مفارقة تكمن  في أنه سؤال لا يصدر عن معارضي الاعتراف بالطابع الكوني لحقوق الإنسان فحسب، وهم كُثْرُ، بل إنه يُثار كذلك من طرف مُنظري النظام العالمي الجديد، المتعصبين للأطروحة القائلة إن حقوق الإنسان ولدت من رحم الحضارة الغربية، وإنها امتياز لهذه الحضارة ووقف عليها، وإن الصراع من أجلهاوباسمها، يُنذر باندلاع صراع مقبل بين الحضارات البشرية، قد يصعب تجنبه.

ويعد عالم الاجتماع  والاقتصاد الألماني ماكس فيبر  ( 1864 -   1920 )، من رواد هؤلاء المنظرين. وله نظرية مشهورة، تُبْرِزُ الخصائص المميزة للحضارة الغربية، مُقارَنة  بالحضارات البشرية الأخرى. وكتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، لا يزال يثير الجدل حتى  الآن، والأطروحة  التي يتضمنها لم تفقد بعد من أهميتها، بل على العكس من ذلك اكتسبت أبعادا جديدة، وخاصة عندما عاد إليها في التسعينيات من القرن الماضي، منظرون أميركيون معاصرون، أشهرهم فرانسيس فوكوياما، و صامويل هنتنجتون. مضمون هذه الأطروحة  أن "لا واحدة من حضارات العالم الأخرى، تحمل قِيَماً يمكن أن تكون خلاقة للعقلانية الحديثة، التي أسست العلم الحديث،  والرأسمالية، والديموقراطية وحقوق الإنسان". إن القيم الأخلاقية في الحضارات غير الغربية، والنظرة إلى العالم، وإلى الغاية من حياة الإنسان ووجوده، كل ذلك لا يهيئ تلك الحضارات لظهور قيم حقوق الإنسان الحديثة. ويفسر ماكس فيبر، هذا الامتياز الذي يزعم أن الحضارة الغربية تحظى به وحدها، بكون الحوافز النفسية و الدينية والثقافية، التي تتضمنها الأخلاق المسيحية البروتستانتية، تُعَدُّ من العوامل الحاسمة في نشأة النظام الرأسمالي وحقوق الإنسان.  

 وعندما نتذكر أن هذا الكلام، قيل في العقد الأول من القرن العشرين، يتضح لنا أن ماكس فيبر، بأطروحته هذه، صار معدودا من بين الدعاة المبكرين لأطروحة  الامتياز الاستثنائي للحضارة الغربية، ربما بدون أن يتوقع ذلك. ولكن الأمر على أية حال، لم يذهب به إلى حد استشراف المستقبل، و التنبؤ بأن هذا الامتياز، يمكن أن يتحول  مع طلائع  الألفية الثالثة، إلى عامل حاسم من عوامل الصراع الحضاري.

 ليس في نيتنا غض الطرف عن كون التساؤل عن الطابع الكوني لمفهوم "حقوق الإنسان"،  تساؤلا مشروعا، وله مايبرره. ولكننا نعتقد أنه تساؤل قابل للأخذ والرد،  وللاجتهادات المتباينة؛ وأن مضامين "حقوق الإنسان"، ومهما قيل حول هذا الموضوع، تستجيب لحاجة مُلِّحَة عند جميع البشر، بل ولطموح إنساني عام يمكن أن نسَمِّيه قضية الدفاع عن الكرامة. وهذا الطموح تم التعبير عنه في صيغ مختلفة، في جميع الثقافات، وفي  جميع اللغات، ومنذ أن وُجِدت المجتمعات البشرية. وإذا كانت هذه الحاجة المُلِّحَة، وذلك الطموح المشروع ، يبدوان وكأنهما مُضاديْن للطبيعة نفسها، بسبب تناقضهما البَيّن مع قانون "الحق للأقوى" و"البقاء للأصلح"، الذي يحكم مملكة الطبيعة برمتها، بل ويخضع له تطوُّر المجتمعات البشرية ذاتها، حسب وجهة نظر نظريات الداروينية الاجتماعية؛ فانهما بالرغم من ذلك، يُعبِّرَان عن خصوصية الظاهرة البشرية، وعن الطبيعة الاجتماعية والثقافية للإنسان. إن الطبيعة الاجتماعية والثقافية للإنسان هي في تقديرنا، العِلة المُوجِبة لمفهوم "حقوق الإنسان". والثقافة كما يقول سيجموند فرويد، وُجدَت لِحماية الإنسان من الطبيعة. وفي السياق نفسه يُمْكِن أن نضيف، لامفر لنا من الإيمان بأن ثقافة حقوق الإنسان، وُجدَت في عالمنا المعاصر، لِحماية البشر من طبيعة الحَجْرِ، والاستبداد، والظلم، والاستغلال، والقهر، والاحتقار، والمهانة.

4.  ولا شك أنه كان من المؤمّل أن اتساع فرص الوصول إلى المعلومات، وسرعة التواصل التي توفرت، في مطالع الألفية الثالثة، بشكل مذهل، سيفضي إلى تدعيم مبادئ الديموقراطية، وتعزيز حقوق الإنسان على المستوى العالمي. ولكننا الآن وبعد انقضاء أزيد من نصف قرن على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا زلنا غير متأكدين تماما بأن مبادئ هذا الإعلان، استطاعت تذويب الأحقاد بين الأمم والشعوب وتقريب المسافات فيما بينها، مع أنه من المفروض أن هذه المدة كانت كافية لأن تتحول إلى ثقافة إنسانية كونية . وجميع القرائن المتوفرة اليوم، تظهر أن حلم البشرية في عالم تسوده قيم العدل والإنصاف والتسامح والتضامن، لا يزال بعيد المنال.

 إن كثيرا من المهتمين بقضايا حقوق الإنسان في عالم اليوم، الذين أتيحت لهم فرص المشاركة في مؤتمرات وملتقيات دولية حول هذا الموضوع، لم يتوانوا عن إثارة الانتباه، وأحيانا بكثير من الحسرة والأسف، إلى أن الوضعية الحالية في مجال تعزيز حقوق الإنسان على المستوى العالمي، تتسم بالإحباط وخيبة الأمل، بسبب ما تتعرض له هذه الحقوق من انتهاك، واستغلال، وانتقاء، وتشويه، واستخدام معيار مزدوج للحكم وللتقييم في شأن احترامها، أي الكيل بمكيالين، كما يقال. وكأنما البشرية صنفان؛ صنف ممتاز جدير بالحماية والرعاية ، وصنف منحط لا يستحق إلا الإقصاء  والازدراء.

  ومن المؤسف حقا، أن يتم التعامل مع الانتهاكات التي تتعرض لها هذه الحقوق، على أساس المصالح الاقتصادية والسياسية أولا وقبل كل شيء؛ وأن يصبح الدفاع عن هذه الحقوق شعارا، يوظف أحيانا كسلاح إيديولوجي ضد شعوب معينة وحضاراتها، لأنها تتبنى سياسات وتوجهات غير منسجمة مع مصالح الغرب.  وأحيانا أخرى يتم السكوت عن الانتهاكات السافرة واليومية، التي تتعرض لها هذه الحقوق في دول أخرى. ولعل ما يقع اليوم على أرض فلسطين والعراق نموذج يندى له جبين البشرية في "عصر حقوق الإنسان ". والولايات المتحدة الأمريكية، التي تعطي لنفسها حق الكلام باسم قيم الحضارة الغربية في عالم اليوم، تعد من أبرز الدول الكبرى، التي تستعمل هذا المعيار المزدوج. فهي عندما تتحرك للضغط أو للضرب، فليس ذلك من أجل دواعي حقوق الإنسان فحسب، وإنما لأن مصالحها الاقتصادية المهمة تكون مهددة. وكل خطاباتها حول الديموقراطية، حقوق الإنسان،  تبدو ثانوية بالمقارنة مع تلك المصالح.

وهكذا صِرْنا نلاحظ بالفعل، وعن كثَب أنه، مِثلما استُثمِرت واستُغِلت قِيَمُ الحرية والمساواة والإخاء والاشتراكية، وغيرها من القيم الإنسانية النبيلة، ها هي اليوم حقوق الإنسان تتمرغ في وحل الصراعات السياسية الداخلية والخارجية، وتتحول تدريجيا، من مبادئ أخلاقية إنسانية متعارف عليها عالميا، إلى استراتيجية سياسية للهيمنة، بل أحيانا للتدخل السياسي والعسكري، في شؤون الدول الأخرى. وما الخطاب المحموم السائد في أيامنا هذه، عن "العدالة المطلقة "، وعن "محاربة الشر" على المستوى العالمي، وعن "نشر الديموقراطية"، إلا نموذج حي عن هذا النزوع  العارم والمجنون، إلى تسييس الأخلاق، بطريقة سافرة و فجة.

نختم هذه المقالة بالقول إن التناقض بين الخطاب عن حقوق الإنسان، وبين ممارسات مُصَدِّري هذا الخطاب، بين الشعارات الجذابة، وبين الواقع الذي نكتشفه بالملموس، في تجاربنا وفي علاقاتنا مع دول الغرب، راعية هذه الحقوق من حيث المبدأ على الأقل؛ إن هذا التناقض لا يلغي حقيقة أن مفهوم حقوق الإنسان، صار يكتسب بالتدريج بعداً إنسانيا كونيا، رغم أن البيئة الأولى التي نبت فيها معروفة، و يمكن تحديدها في الزمان والمكان. ورغم أنه لا يغيب عن بالنا تماما، أن هذه الحقوق  ليست حقوقا طبيعية، كما أنها ليست مبادئ و لا قيما لا زمانية. لقد تم الإعلان عنها، وأُقِرَّت وفُرِضَتْ بالتدريج، في رقعة جغرافية معينة، و في حقبة معينة من تاريخ البشرية. ومن المؤكد أنها كانت من قبل مَتَجاهلة ومنكورة تماما. وإحقاقها وتحويلها إلى مكتسبات إنسانية غالية، لم يكن بالأمر الهَيِّن، إذ تطلب بذل تضحيات باهضة، وخوض صراعات شاقة و طويلة، بل ودموية في أغلب الأحيان.

وعن السؤال الأخلاقي و الفلسفي: هل يعد الاحترام العالمي لحقوق الإنسان وللحريات الأساسية ضرورة ملحة، نجيب نعم! إن معطيات المرحلة الحالية من تطور السياسة الدولية، تفرض علينا أن نؤمن بهذه الحقوق إيمانا راسخا، وأن نجعل منها سلاحنا لتخليق السياسة، وإلا فإننا ستهزم باستمرار أمام قانون الطبيعة الذي لا يرحم. بدون الإيمان بأن حقوق الإنسان قيم ذات بعد كوني، فإن النضال من أجل هذه الحقوق سيفتر، ويفقد بالتأكيد  حيويته وحوافزه الأساسية. وهذا الموقف في حد ذاته، قد يبدو للكثيرين، موقفا مثاليا بل طوباويا، لا يمكن أن تُجْنى منه إلا خَيْبَـات الأمل واليأس. ولكننا نعتقد أنه، رغم مثاليته، يعبر عن حقيقة إنسانية، يتأكد يوما عن يوم أنها تتجه إلى أن تصبح استراتيجية إنسانية على المدى الطويل. ذلك لأنها  تُجَسِّد أغلى ما يمكن أن يطمح إليه الإنسان ككائن أخلاقي وينشده، ولكن بدون أن تمكنه من تحقيقه كاملا، مناورات السياسة، وصراع المصالح، وربما أيضا، رواسب النزعة العدوانية الكامنة في أعماق الإنسان كما يقول سيجموند فرويد. إن حقوق الإنسان، وعلى غرار ما قاله فيلسوف الأخلاق عمانويل كانط، في سياق آخر مماثل، أضحت تشكل مسلمات الفكر الأخلاقي المعاصر.

 د.عبد الرزاق الدواي ـ الرباط. 29 شتنبر. 2002

http://mostakbaliat.com/dawi.html#الديمقراطية

عودة