جناحان حلَّق بهما الإسلام... العدالة والحرية


الدكتور عبد الله الحامد 

 ينشر موقع صدى مقالة معروفة للدكتور عبد الله الحامد المصلح السعودي والحقوقي المعروف (صدر له حديثا  استقلال القضاء السعودي عوائقه وكيفية تعزيزه عن دار  الأهالي والمؤسسة العربية الأوربية للنشر واللجنة العربية لحقوق الإنسان) مع التهنئة له وللدكتور متروك الفالح والمحامي عبد الرحمن اللاحم والشاعر علي الدميني والشيخ سعيد بن زعير بشمس الحرية مع أمنيات الحرية لكل المعتقلين السياسيين 

**************************

 عندما غير النبي صلى الله عليه وسلم  (يثرب) إلى (المدينة), ونهى صحابته الكرام رضي الله عنهم عن تسميتها بعد ذلك بالاسم القديم) يثرب، (كان ذلك دلالة رمزية, على تدشين عهد من المدنية يتضمن تشكيل مجتمع مدني إسلامي، يتسم أهله بأمرين, الأول: الهجرة من طباع البادية إلى طباع الحاضرة, الثاني: يأمرون فيه بالمعروف وينهون عن المنكر, ويتعاونون على البر والتقوى, في مجالي العبادات والمدنيات معاً, تلك وسيلة بناء دولة النبوة والخلافة العادلة الشورية, هذا المفهوم وضع الإسلام مبادئه, وكان ظهور جماعات (المسجد) و (الأنصار) أو (المهاجرين), من أول مظاهر المؤسسات والهياكل الأهلية المدنية الجديدة.

النبي الأمي: أي العالمي

من أجل أن يتبين أن الإسلام اعتبر مبدأ: العدالة وحقلها كالشورى والحرية الفطرية, من أصول الدين, ينبغي أن نتأمل سر انتشار الإسلام. فلو لم يقدم الإسلام العدالة والحرية للشعوب, لم ينتشر في الآفاق سلطانه, ولم يلذ من لم يسلم بظلاله, ولم يجتذب أمماً إلى التوحيد. فالمسلمون الراشديـون قدموا منظومة التوحيـد والعبادة في طبق سبك من العدالة وضمان الحريات الفطرية, فأغروا الأمم به، فانفتحت قلوبها, لأنها أمم عانت من الدكتاتورية والظلم.

كان النبي هو الرسول الوحيد الذي بعث إلى الناس كافة، فلم يأت خاصاً بأمة كموسى, أو مكملاً لملة كعيسى, وهو خاتم الأنبياء, وهذا يتواكب مع كونه (رحمة للعالمين), أي ليس رحمة خاصة بالمسلمين. هذه الأمور الثلاثة تشير إلى عالمية الرسالة, ولذلك وصف في القرآن بـ (النبي الأمي)، أي الأممي العالمي.

وانسجاماً مع العالمية, جاء الإسلام لتقديم العدالة الاجتماعية للمظلومين, وتقديم الحرية للمستعبدين, مسلمين أو غير مسلمين. لذلك كان من أهداف الإسلام الكبرى, إقامة الدولة الشورية العادلة, لا ظلاً للمسلمين وحدهم, بل وظلاً ظليلاً لغير المسلمين. فالإسلام قرر مفهوم (المواطنة) التي يتحقق فيها أمران: إقامة العدالة الاجتماعية, وضمان الحريات الفطرية. وإقامة العدالة للجميع, هي شطر الإسلام الذي يكمل شطره الثاني: إقامة منظومة العبادة تلك هي الشريعة السمحة السهلة, التي توائم الطباع, ولا تقف مع العقول في خصام. وهذا هو سر غلبته العالم القديم, وجبه ما قبله من ثنيات, وسيطرته خلال ثمانين عاماً، وهو ما لم تستطعه روما خلال خمسة قرون. لم تكن فتوحه في عهد الراشدين، قهراً عسكرياً, ولا إجبارا دينياً, ولكنها، بمنظومة  العدالة الاجتماعية والحريات الأساسية، نشرت منظومة التوحيد. ومن هنا تبدو العلاقة بين منظومة العدالة الاجتماعية والحريات الفطرية, ومنظومة التوحيد والعبادة، باعتبارهما مجموعتين من الخيوط لا يتشكل نسيج الإيمان من دون تضافرهما معاً.

لم يصبح العرب أرحم فاتح في التاريخ, في العصور القديمة, إلا بما غرسه الإسلام فيهم من صفات العدل والرحمة. ولم ترحب بهم بلاد فارس والروم, إلا لما تناقله الناس عنهم من العدل والرحمة. ولم يكن ذلك لهم إلا بالإسلام, فقد كان العرب القدامى من قبله في الجزيرة العربية كأي مجتمع بدوي, قساة القلوب،غلاظ الأكباد, يدسون بناتهم في التراب, خوفاً على الأعراض, ويقتلون أولادهم خشية إملاق, وكان العرب الأقدمون خارج الجزيرة العربية, آشوريين وكنعانيين وفينيقيين, كغيرهم من ذوي الحضارات القومية. لأن للجهاد النبوي والراشدي هدفين، الأول: رد عدوان الآخرين, الثاني: تخليص الشعوب من الحكم الدكتاتوري الظالم, إلى ظلال العدل, ومن نير الاستعباد والاستبداد، إلى أفق الحرية والكرامة والمساواة.

وبهذه الوسيلة انتقل الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، هذا المفهوم تحاول الحضارة الغربية مقاربته اليوم, عندما تقدم العلمانية في طبق العدالة والحرية وتقرير المصير, لأمم عانت الاستبداد والظلم, ولكنها تبتعد منه عندما تقدم الإمبريالية المقنعة. لكن الأمويين والعباسيين لم يعطوا البلدان التي فتحوهاهذيـن الحقين, بل سلبوهما العرب فضلاً عن المسلمين، وأخلّـوا بحقوق أهل الذمة, وقدموا إسلاماً غير نموذجي ينبغي أن نسميه باسمهم لئلا نسيء إلى هدي النبوة, سواءفي استبدادهم وجورهم الداخلي أولاً, وثانياً: أنهم حملوا أطماعهم القومية والعدوانية مفهوم الجهاد. ودشن انتهاك العدالة والحرية باسم الإسلام, فأخلوا بمبدأ العدالة ثم أخلوا بمبدأ الحرية. وورثت الحكومات العربية والحركات السلفية المعاصرة هذا التراث, ودافعت عنه باسم الأصالة والإسلام. ونسي الحكام أن كل دولة تقمع الحرية ضمانة للعدالة ستموت, لأنها تصادم ما فطر الله عليه الناس من الطبائع, وأن كل مذهب يقدم الحرية ضمانة للعدالة سيسود. ونسيت السلفيات أن كل مذهب لا يدرك وثاقة علاقة الإسلام بالعدالة والحرية: تحريف لما أنزل الله من الشرائع, وأن كل دين لا يحتضن الحرية سيموت, فكان القمع الديني هو الوجه الآخر للقمع السياسي, المتوالد من الزواج الصحراوي الكسروي: العدالة والحرية معا! إنها الحقيقة الإسلامية والإنسانية, التي يحاول بعض الحكام والفقهاء أن يخنقها، بأوهام الأصالة والخصوصية, أو بالارتباط بالتراث, أو بدعوى الحفاظ على العقيدة والدين.

مفتاح عصر الحداثة

 ولا جرم أن الغرب هو الذي أنتج الصوغ النهائي لمفاهيم منظومة المجتمع المدني: حقوق الإنسان والديموقراطية، والمؤسسات الأهلية، المستقلة عن الدولة, وصك لها مصطلحاتها المحددة. لكنها في صوغها الغربي ذات شقين: أوروبي خاص وإنساني عام. فالأوروبي الخاص يبدو في ثلاثة جوانب: ما يصور نمو مفاهيمها وتصاعد صراع الحداثة السياسية الأوروبية مع الكنيسة والحكم التوتاليتاري, منذ هوبز حتى ماكس فيبر. وجانب ثان يمسرح خصوصية المدائن الأوروبية, وجانب ثالث يجسد الأيديولوجية الألمانية. إذا عزلنا هذه العناصر الخاصة, وهي أقل ما فيها, اكتشفنا جانبها الإنساني العام, الذي هو خلاصة الحضارات القديمة، ومنها الحضارة الإسلامية - وزبدة مخاض تراكم خبرة الإنسانية, المعتصرة من تجارب الأمم والشعوب طوال العصور, التي خاضت أنهاراً من الدماء والحروب, فأدركت دواء مشكلات الاجتماع الإنساني, المركب من بضعة عناصر مترابطة: حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، والشورا(طية)، ومؤسسات المجتمع الأهلية, والحرية. ومن خلال الوعي بوثاقة العلاقة بين هذه المفاهيم وخطورة فك ترابطها, أقامت صرح الحضارة الشامخ فوق أساس راسخ، وهذه المفاهيم الإنسانية هي إسلامية, لأن كل ما هو إنساني فإنما هو إسلامي, لأن الشرائع السماوية إنما جاءت موافقة الطبائع البشرية, وقيم المجتمع المدني من مكارم الأخلاق السياسية التي جاء النبي ليتممها لا ليلغيها.

أركان رشد الدولة

فحقوق الإنسان الأساسية, متقررة في كل ملة سماوية, أيبطلان فكرة أن يعطي الأفراد الدولة حقها ويسألوا الله حقهم. وحقوق الإنسان لا تصان إلا بالعدالة, اجتماعية وقضائية, أي بطلان فكرة تقديم الأمن على العدالة, التي شرعنت الاندماج في آلية إنتاج الجور والظلم. والعدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق في الدولة, من دون شورا (طية), أي بطلان نظرية (المستبد العادل) التي هدمت رشد أمتنا السياسي. والشورى لا يمكن أن تتحقق إلا بإقامة (المؤسسات الأهلية) غير الرسمية. وهذه المؤسسات هي هيكل، أهل الحل والعقد، إذ تجسدهم في كيان نيابي ممأسس, ينظم عملية تمثيل جماعات الأمة, أي بطلان فكرة الشورى المعلمة, التي يتموج فيها مفهوم، أهل الحل والعقد بتقلبات أمزجة الأشخاص, ويتشخصن بضمائر الأفراد, حيث يتقنع الجهل والفساد بقناع العلم والإخلاص, أي بطلان فكرة "ولي الأمر أدرى بالمصلحة"، وبطلان فكرة اختزال الأمة بالفقهاء والحكام, التي راجت في الفكر الديني العباسي, فدستها غالبية المفسرين, في التفسير, كما في تفسير "أولي الأمر", في آيتي الرد والطاعة في سورة النساء, ورسخها الوعاظ بأحاديث غير صحيحة مثل (صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس, وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء. والمؤسسات الأهلية لا يمكن أن تقام هياكلها, ولا أن تتفاعل, إلا بحرية الرأي والتعبير. فلا يمكن قيام المؤسسات الأهلية إلا في مجتمع تسود فيه حرية الرأي وتصان فيه الكرامة, وتسود فيه المساواة. أي بطلان أفكار كثيرة, سلبت المواطنين حرياتهم الأساسية, أهمها فكرة (قمع أهل البدع), التي مزقت السلام بين المسلمين, ومهدت لظهور الدولة المذهبية, التي وأدت فكرة المواطنة التي زرعها الإسلام. هذه القيم من أسس النهوض الحضاري الأول للإسلام, إنها من أركان خير حضارة أخرجت للناس.

الدعوة الى المجتمع المدني هجرة الىالعلمانية أم الى الإسلام؟

نصوص فقهية تشير إلى أن العدالة الاجتماعية من أصول الدين اعتبار الشيء من الأصول أو الفروع مبني على أثره في الحياة: والإسلام جاء لمصالح الناس في الدنيا والآخرة/ كما ذكر الفقهاء كابن القيم والشاطبي والقرافي, ولم يشرع الله شيئاً إلا وله علاقة بالمصلحتين معاً, إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة, فما يضمن مصالح الناس في الدنيا له علاقة بصلاحهم ومصالحهم الأخروية, كما ذكر العز ابن عبدالسلام في القواعد ان اعتبار الشيء من أمهات الفضائل أو الرذائل, أو من أصول الدين أو من كبائر الذنوب إنما يكون بحسب مدى أثره في حياة الناس, في الدنيا والآخرة معاً، وهي قاعدة جليلة نبه إليها الشاطبي, نحتاج إليها اليوم في ترتيب درجات سلَّم القيم.

الإسلام منظومتان: منظومة العبادات ومنظومة شؤون الحياة والمدنية: وتأسيساً على هذه القواعد, يتبين أن الإسلام، كما ذكر الشاطبي أيضاً، يتكون من منظومتين: الأولى: منظومة
العبادات المحضة/التعبديات، الخاصة/ الفردية, التي تنحصر علاقتها بين الإنسان وربه, ولا تصح إلا بالنية، كالتوحيد وشعائره, من صلاة وصيام وحج ونحوها, ورأسها إقامة الصلاة. الثانية: منظومة شؤون الحياة والمدنية/
الاجتماعية العامة التي تتسع علاقتها بين الناس, ويصح أداؤها ولو بغير نية, ورأسها إقامة العدالة الاجتماعية فبمنظومة العبادات تكون النجاة الأخروية.

ولذلك فالصلاة عماد الدين: أي عندما يكون الكلام، مباشراً، عن مصالح الآخرة. وبمنظومة شؤون الحياة والمدنية تكون النجاة الدنيوية, أو الصلاح الدنيوي, وهو صلاح جمعي، ينتظم حياة الناس: أفراداً ومجتمعاً ودولة. ومن أجل ذلك قيل: لعدالة أساس الملك, وما دامت العدالة للحكم أساساً فهي  إذاً - من أصول الإسلام. ويتبين من ذلك أن إقامة الصلاة قرين إقامة العدالة. أي أن العدالة عماد الدين عندما يكون الكلام  مباشراً عن مصالح الدنيا, كما أن الصلاة عماد الدين عندما يكون الكلام عن مصالح الآخرة، ولا تناقض بين العمادين, فكلاهما عمود باعتبار إقامة العدالة الاجتماعية من أصول دعوات الأنبياء.

إن نصوص القرآن القطعية تصرح بأن الله لم يهلك أمة بعذاب خارق, لمجرد الكفر, بل لا بد من أن يكون معه إخلال بقيم العدالة الاجتماعية, كما قال تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون). وتصرح أيضاً بثنائية أي دعوة دينية سماوية: العبادات وشؤون الحياة, فرأس العبادات التوحيد, ورأس شؤون الحياة: العدالة الاجتماعية.

ولا يتسع المقام للتدليل من قصص الأنبياء, لعله يكفينا هنا آيتان, الأولى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالقسط .وهذه الآية نص صريح على أن أساس الاستخلاف هو إقامة العدالة. الآية الثانية قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات, وأنزلنا معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط) "الحديد"35, هذه الآية تصرح بأن من المقاصد الأساسية لإرسال الرسل وإنزال الكتب, لا محمداً فحسب ولا القرآن فحسب, إقامة العدالة الاجتماعية, وهذا يدل إلى ارتباط كل دعوة إلى التوحيد بالعدالة الاجتماعية، فكيف لا تكون العدالة من أصول الدين؟

والذي تشتبه عليه آيات الله القرآنية, يقرأ آياته الاجتماعية, ويبحث عن سر انتشار الإسلام في عهود الشـباب: إنه عمــق الصلة بين منظومة العـبادة ومنظومة شؤون الحياة والمدنية: أي أن الدولة المسلمة وفرت للناس العدالة والحرية الفطرية, مسلمين وغير مسلمين, وأن سلوك الصحابة الراشدين رضوان الله عليه ينم عن إدراك عملي راسخ, بأن قيمتي العدالة, وفضاؤها الحرية, من أصول الإسلام.

دليل آخر, ما وقع للمسلمين منذ عهود الضغط والغزو الحضاري الحديث إنما كان بسبب التفريط بالعدالة, لا بسبب التفريط بالصلاة والعبادات, فإذا كان الشيء يعد ركنا عظيماً باعتبار آثاره، كما قرر الشاطبي وغيره، تبين أن العدالة الاجتماعية ليست من الثانويات. العدالة الاجتماعية والشورى من أصول الدين لا من فروعه، لكن هذه الفكرة العظيمة في الإسلام, لم يثمنها الفكر الإسلامي الحديث, ولكن الخلل أبعد من الحديث, لعلنا نتلمسه في جذوره العباسية, فهذه الحقيقة لم يبد من مدونات الفقهاء العباسيين الدارجة أنهم استوعبوها, ولذلك لم نر تنظيراً لها بصورة جلية. من أجل ذلك لم يبلوروا فكراً سياسياً عملياً متسقاً, صالحاًً لإقامة دولة عادلة شورية.

أجل لم يخل تراث الفقهاء من شذرات, يمكن الاستئناس بها في إعادة بناء الثقافة الإسلامية, ولكن من دون اعتبار هذه الشذرات مرجعية, ومن دون إغفال أنها جاءت عابرة, في سياقات غير واعية منهجياً بالمسألة الاجتماعية. ولكن, هذه هي معضلة التجديد اليوم. فكيف ينجو الباحث من تشويه كتاب العقيدة والتفسير والفقه وأصول الفقه, لينجح في إدراك مثل هذه الحقيقة القطعية الجلية في نصوص القرآن والسنة? إنه يحتاج إلى عزل أكوام من التراكم الرملي، واقتناص نصوص عباسية شاردة عن مدارها, أو ضعيفة الارتباط بسياقها, ويخشى عليه أن يكون ممن يبتسر نصوص الفقهاء، وهو على الأقل سيجد من يقول له: إن نص ابن تيمية أو الغزالي أو الشاطئ الذي استشهدت به: معارض بعشرات من نصوصهم, تدل على أنك تحملهم ما لم يخطر بأذهانهم.

يمكن أن تجد لابن تيمية نصاً مهماً يدل إلى أن العدالة الاجتماعية من أصول الدين, إذ يقول ما قال الغساني أيضا: (إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، على الدولة الجائرة ولو كانت مسلمة). هذا قانون من سنن الله الاجتماعية المطردة, وهو يخلخل مبدأ تقديم الأمن على العدل، الذي دافعت عنه غالبية الفقهاء، الذي أدى إلى سقوط الدولة الإسلامية أمام الغزو التتري والصليبي، هذا القانون الجديد يستخلص درس الغزوين, ويدرك أن المسلمين مهما وحدوا الله وصلوا وصاموا وحجوا, لن ينجوا من خراب البلاد إذا لم يعدلوا. وبناء على هذه المقدمات فإن النتيجة القطعية البديهية هي أن العدالة الاجتماعية من أصول الدين لا من فروعه. ومن كليات الشريعة, التي لا تخرمها الجزئيات, وكليات الشريعة قطعية لا مجال فيها للظنون, وهي عامة مطلقة, لا مجال فيها للتخصيص أو التقييد, وهي من الضروريات الأساسية, لا من الثانويات والكماليات. بل إنها إذاً من شروط شهادة التوحيد والإسلام والإيمان. وإنها قطب منظومة شؤون الحياة, كما أن الصلاة قطب منظومة العبادات.

 ويمكن أن تضيع جهود الإصلاحيين الذين يحاولون تأسيس خطاب النهضة, على رمز من رموز السلف العباسي الصالح أدراج الرياح, لأنهم كلما وجدوا في صيدليته شاهداً, رد عليهم دعاة الجمود منها بمئة شاهد.

ولعل من المفيد أن نستخلص أموراً من كل ذلك، الأول: إن خلل الخطاب الديني المعاصر: إنما هو خلل في جذوره العباسية, ولا يمكن إصلاحه إلا بتفكيك التوصيف والنظام المعرفي العباسي, فهو في صميم النظرية المعرفية، وما في النظرية التربوية والسياسية, إنما هو من تجلياته. ومما يصعب علاج المعضل: أن الخلل ثبت أكاديمياً من خلال وضعه في نسق العقيدة, حتى أصبحت مقاربته شاقة, لا يكفي فيها الحديث العابر عن المقاصد, ولا خطاب الوعظ الحضاري.

الثاني: ان اعتبار الفقهاء العدالة الاجتماعية من الفروع هو الذي دروش الخطاب الديني, وفصل القيم المدنية عن الإيمان, وقدم الإسلام رهبانية أخروية, تعطي كسرى أو قيصر حقه، المزعوم، وتسأل الله حقها المهضوم, وأشاع التركيز على الطهارة والوتر والدعاء, والتراويح والتسابيح, وحفظ القرآن. وهمش العدالة والشورى والكرامة، ووأد التسامح والحرية والمساواة.

الثالث: ان المذاهب العباسية, لا تملك مشروعاً للنهوض الإسلامي, فضلاً عن أنها تقدم أساساً صالحاً لبناء دولة عادلة شورية, إلا بعمليات جراحية, لا يسمح بها نسقها المعرفي المغلق, لأنه لا يسمح لمنتسبيها بالتفكير خارج أقواس نصوص رموزها العباسيين.

الرابع: ان تهميش المذاهب العباسية قضية العدالة ووأدها الحرية, أكبر برهان على أن أي دعوة إلى أنالإسلام هو الحل, لن تفلح ما دامت تقدم مذهباً عباسياً على أن هو الإسلام. ان كل محاولة للنهضة الإسلامية لن تفلح ما لم يسبقها فكر يفكك الصوغ العباسي للعقيدة, ولفقه الحضارة والمدنية والسياسة, ويعيد بناءها على هدي الكتاب والسنة والتطبيق النبوي والراشدي.

الدكتور عبد الله الحامد
 تاريخ الماده:- 2002-12-02

عودة